يوميات الاخبار

هدنة السلاح.. أم استراحة القرار

صالح الصالحى
صالح الصالحى


المشهد لا يزال مفتوحا على كل الاحتمالات، لكننا أمام لحظة الحقيقة التى ستكشف، هل نحن أمام عصر عقل جديد، أم أمام انتحار جماعى فى سبيل أوهام القوة.

فى لحظات التوقف فى الحروب الكبرى، لا يكون الصمت علامة على السلام، بل مؤشرا على أن الضجيج الحقيقى قد انتقل من الميدان إلى غرف القرار.. ومن هنا يجب قراءة قرار وقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لمدة أسبوعين، باعتباره لحظة اختبار مركبة، تتقاطع فيها حسابات القوة مع حدودها، وتلتقى فيها الإرادات مع مخاوفها.. فالحروب لا تسير فى خط مستقيم، وإنما تتحرك فى موجات تصعيد يتبعه توقف، واندفاع تعقبه مراجعة.. وهذه الهدن القصيرة على وجه التحديد، ليست سوى فواصل تكتيكية يعاد خلالها ترتيب الأوراق.  وتختبر فيها النيات.. وتصاغ فى صمت ملامح المرحلة التالية.
مغامرة استراتيجية
والسؤال إذن: ماذا يجرى خلال الهدنة؟ وماذا بعدها؟
فى تقدير الموقف، يعكس هذا التوقف وصول العمليات إلى نقطة توازن مؤقت، حيث لم يعد بمقدور أى طرف أن يحقق اختراقا حاسما دون أن يدفع ثمنا يتجاوز قدرته على الاحتمال.. فالولايات المتحدة التى تدير الحرب تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران ليس مجرد قرار عسكرى، بل مغامرة استراتيجية قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم.. لتطول توازنات النظام الدولى نفسه.
أما إسرائيل التى تقوم عقيدتها الأمنية على الحسم السريع والضربة الاستباقية.. فتجد نفسها أمام خصم مختلف فى طبيعته وقدراته.. فإيران ليست هدفا تقليديا يمكن احتواؤه بضربة مركزة.. بل هى منظومة ممتدة، تمتلك عمقا جغرافيا.. وشبكة من أدوات الرد. وقدرة على نقل المواجهة إلى مساحات متعددة، تتجاوز حدودها المباشرة.
وفى المقابل تتحرك إيران ضمن معادلة دقيقة.. فهى تسعى إلى تثبيت موقعها كطرف يتعرض لعدوان، بما يمنحها غطاء سياسيا وأخلاقيا فى الساحة الدولية.. لكنها فى الوقت ذاته تدرك أن أى رد غير محسوب قد يفتح عليها أبواب مواجهة لا ترغب فى توسيع نطاقها. فى هذه المرحلة.. ومن هنا يصبح ضبط الإيقاع، لامجرد الرد، هو جوهر استراتيجيتها.
فى هذا السياق لا تبدو فترة الأسبوعين هدنة بالمعنى التقليدى.. بل هى أقرب إلى «زمن القرار».. زمن تختبر فيه الإرادات، وتقاس فيه المسافات بين الممكن والمستحيل.
ثلاثة مسارات متوازنة 
وخلال هذه الفترة، تجرى بعيدا عن الأضواء، ثلاثة مسارات متوازنة.
أولا: إعادة التقييم، والتموضع العسكرى.. فالجيوش لا تتوقف، بل تعيد حساباتها.. ما الذى تحقق؟ أين كانت نقاط الخلل، وما الذى ينبغى تغييره فى الجولة القادمة؟ وغالبا ما تشهد هذه المرحلة تعزيزا للقدرات.. وإعادة توزيع للقوى.. وربما إدخال عناصر جديدة لم تكن حاضرة فى بداية المواجهة.
ثانيا: الحراك السياسى، والدبلوماسى.. حيث تطرح مبادرات التهدئة.. وتمارس الضغوط الدولية فى العلن.. لكن فى الخفاء ترسم الخطوط الحمراء. وتجرى الاتصالات الحاسمة. بحثا عن صيغة تمنع الانفجار الشامل، أو على الأقل تؤجله.
ثالثا: إدارة الداخل.. وهى المعركة التى لا تقل أهمية عن معركة الميدان فكل طرف يواجه سؤالا حاسما.. إلى أى مدى يمكن للمجتمع أن يتحمل كلفة الحرب؟ لأن الشرعية الداخلية هى التى تحدد سقف القرار الخارجى.
وثلاثة سيناريوهات رئيسية
غير أن جوهر المسألة لا يكمن فقط فى ما يجرى خلال أسبوعين.. بل فى ما يمكن أن يترتب عليهما.. وهنا تظهر ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: التصعيد الأوسع، أو ما يمكن تسميته بالانفجار المؤجل. وفيه تعود العمليات العسكرية بوتيرة أعلى.. بعد أن تكون الأطراف قد استكملت استعداداتها.. وهذا السيناريو يصبح مرجحا إذا فشلت الجهود السياسية.. أو إذا اعتقد أحد الأطراف أن ميزان القوى بات يميل لصالحه بما يسمح بتحقيق مكسب نوعى.
السيناريو الثانى: التهدئة الممتدة.. حيث يتم تحويل الهدنة المؤقتة إلى حالة من الاستقرار النسبى.. ليس لأن الصراع قد انتهى.. بل لأن كلفته أصبحت أعلى من عائده.. وفى هذه الحالة.. ندخل فى مرحلة من الردع المتبادل.. حيث تدار فيها الأزمات دون أن تنفجر.. لكن دون أن تحل جذورها.
السيناريو الثالث: حرب الظل.. وهو السيناريو الأكثر تعقيدا ودهاء حيث تتراجع المواجهة المباشرة.. لكنها تستمر عبر أدوات غير تقليدية.. من عمليات استخباراتية وهجمات سيبرانية، وضربات محدودة تنكرها الأطراف أو لا تعلن عنها.. هذا النمط من الصراع يسمح لكل طرف بالحفاظ على توازن دقيق بين التصعيد والإنكار.
لكن، وربما الأهم،  هذه السيناريوهات جميعا لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع.. فهذه الحرب فى حقيقتها ليست مجرد مواجهة بين أطراف محددة، بل تعبيرا عن تحول أعمق فى بنية النظام الإقليمى الدولى.
وهذا كله فى ضوء وضع جديد لا تحسم فيه الصراعات بضربة واحدة. ولا تحل باتفاق سريع. ومن هنا فإن السؤال: ماذا بعد؟ يتجاوز حدود هذه الجولة من الحرب ليطرح تساؤلا أكبر: أى شرق أوسط يتشكل الآن؟ هل نحن أمام إعادة رسم خرائط النفوذ؟ أم أمام تثبيت معادلات ردع جديدة؟ أم أننا بصدد مرحلة انتقالية.. تتعدد فيها الصراعات دون أن يحسم أى منها بشكل نهائى.
فى تقديرى أن ما يجرى الآن هو مزيج من كل ذلك.. فالمنطقة تدخل مرحلة سيولة استراتيجية.. حيث تختلط الحدود بين الحرب والسلم.. وبين المواجهة المباشرة والصراع غير المعلن.. وعليه فإن الأسبوعين لا يمثلان زمن راحة بل زمن اختبار حقيقى.. اختبار لقدرة كل طرف على قراءة الآخر واختبار لقدرة الجميع على تجنب الانزلاق إلى ما لا يمكن السيطرة عليه.
ما قبل وما بعد 
قد تنتهى هذه الفترة بعودة القتال.. وقد تمدد الهدنة.. وقد يتحول الصراع إلى شكل أكثر خفاء.. لكن المؤكد أن ما قبل هذه الهدنة لن يكون كما بعدها.. لأن الحروب فى لحظات كهذه لا تغير فقط مواقع الجيوش.. بل تعيد تشكيل العقول التى تديرها.
ويبقى الثابت الذى لا يتغير.. وهو أن الحروب لا تنتهى حين تتوقف البنادق.. بل حين تتغير الحسابات.. وحتى يحدث ذلك ستظل هذه الهدنة مجرد فاصلة فى جملة لم تكتمل بعد.
الحقيقة تؤكد أن ما بعد الهدنة لن يكون كما قبلها.. فنحن بصدد ولادة نظام إقليمى جديد.. إما بالدم والنار.. أو بالتسويات المريرة.. فالمنطقة واقفة الآن على «رأس دبوس» حيث القوة وحدها لا تصنع الحق.. والمناورات الدبلوماسية لا تلغى حقائق الجغرافية.
فإذا انتهت الهدنة دون اتفاق إطارى حقيقى، فإننا لا نتحدث عن حرب، بل عن زلزال سيغير وجه العالم الذى نعرفه.
المشهد الآن لا يزال مفتوحا على كل الاحتمالات، لكن الأكيد أن الصمت قد انتهى.. وأننا أمام لحظة الحقيقة التى ستكشف لنا: هل نحن أمام عصر عقل جديد.. أم أمام انتحار جماعى فى سبيل أوهام القوة؟.