«دولة الفنون والإبداع».. كيف تساهم كنوز الحضارة في جذب الاستثمار السياحي؟

البئر المقدسة فى حي  المطرية بالقاهرة
البئر المقدسة فى حي المطرية بالقاهرة


تُعد الصناعات الثقافية والإبداعية، أحد أهم محركات النمو العالمي وأكثرها تأثيرًا في تشكيل هوية الدول وتعزيز قوتها الناعمة، هذا القطاع الذي يجمع بين التراث والفنون والإعلام والتصميم والسياحة، لم يعد مجرد مساحة للتعبير الجمالي، بل أصبح اقتصادًا متكاملًا يدر عوائد ضخمة ويخلق ملايين فرص العمل، حيث تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى تحقيقه نحو 2.3 تريليون دولار سنويًا، فيما تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أنه يمثل نسبة معتبرة من العمالة العالمية.

وفي قلب هذا التحول العالمي، تتحرك مصر بخطى واثقة لإعادة اكتشاف ذاتها الثقافية وتوظيفها اقتصاديًا من خلال رؤية استراتيجية طموحة، تتجسد في برنامج "دولة الفنون والإبداع" الذي وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بإطلاق ليكون منصة شاملة لإحياء التراث المادي واللامادي وتحويله إلى قوة إنتاجية قادرة على المنافسة عالميًا.

 


- منظومة اقتصادية متكاملة تعزز السياحة الثقافية

مصر، التي تمتلك رصيدًا حضاريًا فريدًا يمتد عبر آلاف السنين، من الحضارة المصرية القديمة إلى القبطية والإسلامية وصولًا إلى العصر الحديث، لا تسعى فقط للحفاظ على هذا الإرث، بل لإعادة تقديمه في صورة منتج ثقافي وسياحي معاصر يجمع بين الأصالة والابتكار.

ومن هنا، تتجاوز الرؤية المصرية فكرة صون التراث إلى استثماره بذكاء، عبر دمج الحرف التقليدية، والفنون الشعبية، والمسارات الروحية، والمواقع الأثرية، في منظومة اقتصادية متكاملة تعزز السياحة الثقافية والتجريبية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الصناعات الإبداعية، إنها محاولة لصياغة نموذج تنموي جديد، يجعل من الثقافة ليس مجرد ماضٍ يُحكى، بل مستقبل يُبنى، ومن الهوية المصرية عنصرًا فاعلًا في الاقتصاد العالمي، يعكس عبقرية المكان وثراء الإنسان.

ولذلك تعد الصناعات الثقافية والإبداعية اليوم واحدة من أكثر القطاعات حيوية في الاقتصاد العالمي، ووفقًا لأحدث تقرير من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية تحقق هذه الصناعات دخلًا سنويًا عالميًا قدره 2.3 تريليون دولار وهو ما يمثل 3.1% من الناتج الإجمالي العالمي، وتشير تقديرات اليونسكو إلى أن هذه الصناعات تمثل حوالى 6.2 % من العمالة العالمية.

 


- استثمار الصناعات الثقافية والإبداعية وتحويلها لمنتج سياحي

ومن هذا المنطلق يشيد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية بحكمة  القيادة السياسية فى انطلاق دولة الفنون والإبداع لحسن استثمار الصناعات الثقافية والإبداعية فى مصر وتحويلها لمنتج ثقافى سياحى متميز على أرض مصر.

وأضاف بأن اليونسكو حددت مجالات الصناعات الثقافية والإبداعية الرئيسية لتشمل التراث الثقافي والطبيعي والكتب والصحافة والمجالات الثقافية الرئيسية والأداء والاحتفال والوسائط البصرية والسمعية والتفاعلية والتصميم والخدمات الإبداعية والسياحة والرياضة والترفيه.

ونوه الدكتور ريحان إلى قيمة  التراث والسياحة الثقافية باعتباره مكون أساسى فى الصناعات الثقافية والإبداعية وقد حرصت الدولة على الحفاظ على الهوية الثقافية بتعزيز التراث الثقافي وتثمينه وتحقيق التوازن بين الحداثة والتقليد والعولمة والهوية المحلية في الإنتاج الثقافي وقد جاء فى المادة 50 من الدستور المصرى "لالتزام الدولة بالحفاظ علي الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة ونصها "تراث مصر الحضاري والثقافي المادي منه والمعنوي  بجميع تنوعاته ومراحله الكبرى المصرية القديمة والقبطية والإسلامية ثروة قومية وإنسانية  تلتزم الدولة بالحفاظ عليه وصيانته وكذلك الرصيد الثقافي المعاصر المعماري والأدبي والفني بمختلف تنوعاته والاعتداء علي أي من ذلك جريمة يعاقب عليها القانون وتولي الدولة اهتمامًا خاصًا بالحفاظ علي مكونات التعددية الثقافية في مصر".

 

- استكمال مسيرة إحياء المسارات الروحية 

ويؤكد الدكتور ريحان أن مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي "دولة الفنون والإبداع" وسيلة للحفاظ على الهوية المجسّدة فى ذاكرة المكان والزمان والتركيز على الإطار المعرفي المتمثل فى تاريخ مصر كسلسلة حضارية يستحيل اقتطاع أي فترة من فترات التاريخ منذ عصور ما قبل التاريخ مرورًا بعصر مصر القديمة إلى البطلمى فالروماني إلى المسيحي ثم الإسلامي حتى التاريخ الحديث والمعاصر.


وكذلك هى استكمال مسيرة إحياء  المسارات الروحية في مصر وتعمل الدولة بالفعل على إحياء مسار نبي الله موسى بمشروع التجلي الأعظم بسيناء وإحياء مسار العائلة المقدسة في عدة محافظات من رفح إلى الدير المحرّق بأسيوط ومسار آل البيت بالقاهرة، وما يمثله ذلك من بعد روحي ونفسى له عظيم الأثر في قلوب وعقول المصريين بالإضافة إلى اعتباره مصدرًا للترويج للسياحة الثقافية والروحية التي تعد من الصناعات الثقافية والإبداعية.

اقرأ ايضاً :متحف التحنيط بالأقصر.. رحلة فريدة إلى أسرار الخلود في الحضارة القديمة

ولفت الدكتور ريحان إلى أهمية الحفاظ على التعددية الثقافية فى ضوء المبادرة وحسن استثمار مفردات التراث المتنوعة في مصر وتوفير رعاية ودعم وحسن تسويق للحرف التراثية المختلفة في مصر ومنها الخيامية ومنتجات القرية النوبية ومنتجات قرية الحرانية ومنتجات الفيوم والوادي الجديد وتبنى خطة تسويقية لتصدير منتجاتهم ومشاركتهم في معارض دولية لعرض منتجاتهم وفتح ورش جديدة وتعليم أجيال للصنعة حتى لا تنقرض وعمل معارض داخلية وخارجية لمنتجاتهم وتسويقها بشكل يحقق أكبر عائد من هذه الصناعات المتفردة والمتميزة في مصر.

وكذلك استثمار الاحتفاليات الدينية المسيحية والإسلامية والموالد والترانيم والأعياد في التسويق لها في مهرجانات محلية ودولية لما لها من تأثير كبير دوليًا مع إقبال السياح على التفاعل مع البيئات المحلية وهو ما يعرف بالسياحة التجريبية وهى من الصناعات الثقافية والإبداعية، حيث تتزايد الرغبة لدى السياح في اكتشاف الثقافات المحلية من الداخل مما يفتح المجال لتجارب سياحية فريدة مثل الورش الثقافية والفنية الحية والمشاركة في الفعاليات المحلية ومن أمثلتها الحياة السينائية التي ارتبطت بالبيئة التي يعيشونها فصنعوا الخيمة البدوية من الشعر وأشهر أطعمتهم الجريشة والعصيدة أو التلبانة وترتدى المرأة البدوية رداءً مصبوغًا من جذور النبات ويتحزمن بحزام من شعر أسود أو أبيض يحكنه بأنفسهن وفى زواجهم يكون مهر بنت العم  خمسة جمال والأجنبية عشرين جمل ومن آلات الطرب الربابة والشبابة المعروفة في مصر بالصفارة والمقرون (الزمارة) وأشعارهم منها القصيد الذى ينشد على الربابة والموال وحداء الإبل ورقصاتهم هي الدحية وأهل سيناء مهرة في العلاج بالأعشاب.


- أهمية التراث الثقافي المادي واللامادي المسجل باليونسكو

ولفت الدكتور ريحان إلى أهمية التراث الثقافى المادى واللامادى المسجل باليونسكو والذى يتطلب خطة لإدارته واستثماره كمنتج ثقافى لسياحة الآثار والسياحة الروحية يشمل التراث الثقافي المصري المسجل على قائمة التراث العالمي 7 ممتلكات منها 5 ممتلكات مدرجة عام 1979، وهى جبانة منف (من أبو رواش إلى دهشور)، وطيبة «الأقصر»، وآثار النوبة (من فيلة إلى أبو سمبل)، وكنيسة أبو مينا بالإسكندرية، والقاهرة التاريخية، وتم إضافة مدينة سانت كاترين عام 2002 ووادي الحيتان بالفيوم كموقع تراث طبيعي عام 2005.

كما يمثل التراث اللامادي ركيزة مهمة في الحفاظ على التنوع الثقافي في عصر العولمة، ولهذا أصبح واحدًا من أولويات اليونسكو والمنظمات المعنية كونه مجالًا قابلًا للاندثار، وهو يشمل على سبيل المثال لا الحصر المهرجانات التقليدية، والعادات والتقاليد، والملاحم، وأساليب المعيشة، والمعارف والمهارات والحرف التقليدية، والأغاني، والرقصات، والحكايات، والفنون الروائية، والأكلات الشعبية، والطقوس الاجتماعية، وغيرها من الممارسات والتعبيرات الثقافية للجماعات المحلية ومصر لديها 11 عنصر آخرها الكشرى وتشمل السيرة الهلالية أدرجت عام 2008، لعبة التحطيب أدرجت عام 2016، الأراجوز أدرج عام 2018، النسيج اليدوي المصري أدرج 2020، الاحتفالات المرتبطة بالعائلة المقدسة أدرجت 2022، النخلة أدرجت في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو مشتركة مع  14 دولة عربية، الخط العربي أدرج عام 2022 ، الفنون والمهارات المرتبطة بالنقش على المعادن، النحاس والفضة والذهب أدرج عام 2023، السمسمية صناعة الآلة والعزف عليها وعنصر "الحناء.. الطقوس، الممارسات الجمالية والاجتماعية" أدرج عام 2024.

وحدد الدكتور ريحان كيفية استثمار التراث اللامادى وهى تطوير لعبة التحطيب لنصل بها إلى الاعتراف ضمن الألعاب الرياضية بمصر ليتم الاعتراف بها عالميًا ودخولها الأولمبياد والمسابقات الدولية كلعبة مصرية خالصة والترويج لها داخليًا وخارجيًا ووضعها ضمن منظومة السياحة بعمل نماذج ومستنسخات من مناظر اللعبة بمصر القديمة وربطها بقواعد اللعبة حاليًا لربط الماضي والحاضر وتنظيم مهرجانات لها في الداخل والخارج.

كما يمكن استثمار النسيج اليدوي وأعمال التطريز المتنوعة في البيئات المحلية مثل سيناء والوادي الجديد وتطوير صناعة الخيامية بشارع المعز لدين الله الفاطمي وإعادة تمثيل احتفاليات العائلة المقدسة بما تشمله من ترانيم ومحاكاة للرحلة وموروثات شعبية من أشعار وموسيقى وعادات وتقاليد وموالد مثل مولد درنكة بأسيوط الذى يحضره أكثر من 2 مليون مصري سنويًا مسيحيين ومسلمين ويعتبر شهر يونيو من كل عام مهرجان وطني في 8 محافظات يشارك فيه المصريين والأجانب.

وكذلك تطوير  الفنون والمهارات المرتبطة بالنقش على المعادن.. النحاس والفضة والذهب بمعالجة مشاكل الصناعة حيث أن المنتج الغالب على سوق خان الخليلى هو منتج صينى لصعوبة توفير المواد الخام اللازمة للصناعة لأن معظمها مستوردة وإعفاؤها من الجمارك لأن سيادة المنتج الصيني حاليًا بخان الخليلي لا يليق بمنتج تراثى مصرى يقبل عليه الأجانب لهذا السبب ولكن يضطر لشراء المنتج الصينى لندرة المصرى فى الأسواق.

وكذلك النخلة التى ترتبط فى مصر بمناسبات كثيرة منها يوم أحد السعف " أحد الشعانين الذى يشارك فيه المسيحيين والمسلمين، ويستخدم الجريد في صناعة الأثاث المنزلي والمكتبي وغيرها وله ورش عديدة بالفيوم وصعيد مصر، لكن ينقص هذه المنتجات التسويق الجيد لها محليًا وعالميًا ومشاركتها في معارض الصناعات المحلية كثروة ومنتج ثقافي متفرّد في مصر.


- الاستفادة من الخط العربي

ويمكن الاستفادة من الخط العربي باستخدامه أداة للزخرفة خاصة في موسم الحج والعادات والتقاليد المرتبطة به وكذلك هو العامل الرئيسي في شغل الخيامية ويمكن للدول العربية المشاركة في تسجيل الخط تراث لامادي التعاون في تسويق منتجات تشتمل على فنون الخط العربي.

وبخصوص السمسمية يمكن من خلالها إحياء فنون محافظات قناة السويس التي تشمل رقصة البمبوطية ورقصات فنون شعبية ساحلية وأغانيهم الشهيرة، وتراثهم الشعبي المرتبط بمقاومة الاستعمار ومنها دمية اللنبي فى شم النسيم، والحناء يقبل عليها الزوار من السياحة الثقافية سواءً المصريين أو الأجانب ويحرصون على رسم الحنة كتذكار من المكان خاصة في أسوان علاوة على الاستفادة الطبية منها في عقارات وأدوية يكون لمصر حق الملكية الفكرية لها. 

واختتم الدكتور ريحان بأن مبادرة الرئيس تفتح الباب كذلك لتوثيق التراث اللامادي حيث لا يعترف العالم بمنتج تراثي إلا باعتراف دولة المنشأ به، ولذا على المجلس الأعلى للثقافة المسئول عن تنفيذ السياسة الثقافية لمصر ونشر الوعى بقيمتها أن يقوم بتوثيق وتسجيل كل المعارف المرتبطة بالهوية تمهيدًا لعمل ملفات لتسجيلها تراث لامادي في اليونسكو مثل الاحتفالات الدينية والموالد والأكلات الشعبية الشهيرة مثل الخبز بأنواعه العيش الشمسي بالصعيد والمرحرح بوجه بحرى وأنواع الكعك المستمدة من مصر القديمة والفلافل والأكلات والمشروبات المرتبطة بشهر رمضان.

والمنتجات التراثية المتنوعة التي تعكس ثقافات محلية بسيناء والوادي الجديد والنوبة والفيوم والعمارة والفنون والموسيقى والأغاني والعادات والتقاليد المرتبطة بهذه المواقع التي تمثل ثقافة متميزة ضمن هوية وشخصية مصر وتوثيق سير الزعماء الوطنيين والقادة أبطال المعارك الحربية في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر المجيدة والعلماء والأدباء الفنانين الذين تركوا بصمة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، والحدائق العامة المرتبطة بذاكرة المكان والزمان للمحيطين بها مثل المريلاند والأورمان وحديقة متحف ركن فاروق بحلوان، كما سجلت في ذاكرة السينما المصرية حدائق هامة مثل حديقة الأندلس وركن فاروق وحديقتي الأورمان والحيوان والأسماك وغيرها المرتبطة بأشجار نادرة ومعمّرة.