يَنْشَرِحُ صدرُ المسلم بعد قراءةِ سورةِ الفجر، ويستقرُّ فى يقينِه أنَّ كلَّ شيءٍ فى الكون مُدَبَّرٌ بأمرِ اللهِ سبحانه، ويزداد إيمانُه بأنَّ للكونِ إلهًا واحدًا سبحانه، كلَّ شيءٍ بأمرِه.
هذا حالُ المسلمِ ويقينُه حَسَبَ إيمانِه؛ فالإيمانُ يَزيدُ بالطاعةِ ويَنقُصُ بالمعصيةِ - نَجَّانا اللهُ جميعًا منها -.. وفى كلِّ الأزمنةِ والأوقاتِ على مَرِّ الزمانِ، هناك مَن يَتَجَبَّرُ جَبَروتًا ليس له مَثيلٌ، فيُكَذِّبُ الأنبياءَ ويَقتُلُهم، ويَعتقِدُ أنَّه على صوابٍ.
وبعضُهم من عُتاةِ الطُّغاةِ طَلَبَ سُلَّمًا حتّى يَصعَدَ إلى إلهِ موسى الذى يَصِفُه بالكَذِبِ، ذلك الطاغيةِ المتجبِّرِ الذى جعَلَهُ اللهُ عِبرةً، وأغرَقَهُ وكلَّ مَن كان معه شرَّ غَرَقٍ.
ولا شكَّ أنَّ مقاصِدَ هذه السورةِ بيانُ عاقبةِ الطُّغاةِ على مَرِّ العصورِ، مهما عَلا شأنُهم من الطغيانِ والتجبُّرِ، واعتقادِهم بأنَّهُم لا يقدِرُ عليهم أحدٌ، حتّى إنَّ أَحدَ الطُّغاةِ ادَّعى أنَّه ربُّهم الأعلى، وكان بعد ذلك عبرةً لِمَن يَعتبِرُ.
وفى الوقتِ نفسِه على المؤمنِ الأخذُ فى الحُسْبانِ بمَعناهُ الواسِعِ والتوكُّلُ على اللهِ والصبرُ على الابتلاءِ؛ وقد أقسَمَ اللهُ سبحانه وتعالى بالفجرِ واللَّيالى العَشرِ والشفعِ والوَترِ، وهو سبحانه يتعاملُ معنا كبشرٍ حتّى نَطمَئِنَّ وتَهدأَ النفوسُ إلى أنَّ لكلِّ طاغٍ نهايةً مؤلِمةً.
ولن يأتيَ طاغٍ أقوى من قبيلةِ عادٍ التى لم يُخلَق مِثلُها فى البلاد، والمنسوبةِ إلى جَدِّها إرمَ ذاتِ الطَّولِ، ولن يأتيَ قومٌ مثلَ ثمودَ قومِ صالحٍ الذين شَقُّوا الصُّخورَ فى الجبالِ وجعلوا منها بيوتًا بالأحجارِ؛ تلك الأقوامِ التى لم يأتِ مثلُها فى قوَّتِها وجبروتِها وظُلمِها لنفسِها وبُعدِها عن الطريقِ المستقيمِ.
وماذا كانت النتيجةُ لهم؟
ولنَعلَم أنَّه كلَّما كَثُرَ وانتشر فسادُ الطُّغاةِ، كلَّما اقترب أجلُهم الذى سيكونُ عِبرةً.
وعلى مَرِّ العصورِ والأزمنةِ نجدُ قُوَى الخيرِ وقُوَى الشرِّ، وأهلَ الشرِّ يَتَجَبَّرون تجبُّرًا طاغيًا ليس وراءَهُ إلّا معتقداتٌ خاويةٌ وباطلةٌ، وغالبًا ما تُؤدِّى إلى حروبٍ مدمِّرةٍ، والأغلَبُ أنَّ تلك الحروبَ تُنهى نفسَها تلك القُوَى الطاغيةُ الظالمةُ.
وطِبْقًا للمفهومِ العِلميِّ لدورةِ الحياةِ، فلكلِّ شيءٍ دورةٌ تبدأ بالولادةِ والنموِّ ثم تنتهى بالانحدارِ والموتِ؛ خُذْ هذا على الأُمَمِ، على الشعوبِ، على الحضاراتِ، على المؤسَّساتِ، وعلى الأفرادِ أنفسِهم.. ودائمًا وأبدًا تذكَّرْ أنَّ هذا خَلْقُ اللهِ وبإرادتِه سبحانه: القويُّ والضعيفُ، والغنيُّ والفقيرُ، إلخ… حتّى تكونَ للحياةِ طبيعةُ التكامُلِ.. ولنُفَكِّرْ قليلًا: أين الإمبراطوريةُ الفارسيةُ أو الرومانيةُ أو البيزنطيةُ؟ أين هم؟ ومَن الذى قضى عليهم؟ وكيف انهارت تلك الإمبراطورياتُ؟ وأين هى الآن؟ وأين الإمبراطوريةُ البريطانيةُ والمغوليةُ والروسيةُ والعثمانيةُ؟
لقد كانت هناك أسبابٌ وعواملُ مشتركةٌ لانهيارِ تلك الإمبراطورياتِ؛ فالتوسُّعُ المُفرِطُ، والتحميلُ الزائدُ على المواردِ، والصراعاتُ الداخليَّةُ، والتغيُّراتُ الاقتصاديَّةُ العالميَّةُ، والفسادُ، والضغوطُ الخارجيَّةُ.
فى رأيى الشخصيِّ أنَّ كلَّ هذه الأسبابِ والعواملِ ظاهرةٌ للعيانِ فى الإمبراطوريةِ الأمريكيَّةِ المُتوحِّشةِ.
وهكذا تُعلِّمُنا سُنَنُ اللهِ فى التاريخِ أنَّ دَورةَ حياةِ الإمبراطوريات، مهما بلغَتْ من القوّةِ والامتدادِ، محكومةٌ بسُنَنٍ لا تُحابِى أحدًا: سُنَّةِ البداءَةِ ثم الازدهارِ فالتجبُّرِ فالانهيارِ. ومن يتأمّل فى مصائرِ الأممِ عبر العصورِ يدرك أنَّ العدالةَ الإلهيّةَ لا تغيب، وأنَّ ميزانَ الحقِّ لا يختلّ، وأنَّ ما يبدو اليومَ قوّةً طاغيةً لا تُقهَر إنما هو حلقةٌ عابرةٌ فى سياقٍ أكبرَ من أهواءِ البشرِ ومشاريعِهم، فيطمئنُّ قلبُ المؤمنِ، ويشتدُّ تعلُّقُه بربِّه، ويزهدُ فى مظاهرِ الطغيانِ مهما لمَعَ بريقُها أو اشتدَّ صَوْلجانُها.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







