«يفعل قادة العالم هذا ويتوقعون مني إنقاذ الكوكب بشرب الماء من شاليموه ورقي هش.. الحياة ليست عادلة».. منشور ساخر انتشر على نطاق واسع بعد الحرب على إيران، سلط الضوء على التناقض بين الوعي البيئي اليومي، والإسراف في الانبعاثات في زمن الحرب.
ووضعت الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران أوزارها بعد 38 يومًا، ولم يقتصر تداعياتها على الخسائر البشرية أو الجيوسياسية، بل امتدت لتكشف عن أزمة بيئية صامتة تتصاعد بعيدًا عن الأضواء، تتعلق بالانبعاثات العسكرية وتأثيرها على المناخ العالمي.
◄ رقم صادم لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري
وبحسب بيانات نشرها موقع Earth.org ، نفذت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 8000 طلعة جوية خلال الأسابيع الزولى من الحرب، شملت طائرات مقاتلة واستطلاع وشحن وناقلات وقود ومروحيات عسكرية، ويعكس هذا النشاط المكثف حجم البصمة الكربونية الناتجة عن العمليات العسكرية الحديثة.

وتشير التقديرات إلى أن الطائرة المقاتلة من طراز F-35 تستهلك ما بين 5600 إلى 6500 لتر من الكيروسين في طلعة قتالية واحدة تستغرق ما بين ساعة ونصف إلى ساعتين. ووفقًا للينارد دي كليرك، رئيس مبادرة حساب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الحروب، فإن هذه الكمية من الوقود تعادل في انبعاثاتها ما تنتجه سيارة تقليدية طوال عمرها الافتراضي.
وفي سياق متصل، كشف تقرير صادر عن معهد المناخ والمجتمع أن إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري خلال أول 14 يوم من الحرب تجاوز 5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يفوق إجمالي الانبعاثات السنوية لدولة مثل آيسلندا خلال عام كامل، كما أشار موقع live science إلى أنه إذا استمرت الانبعاثات بنفس الوتيرة لمدة عام، فرنها تعادل انبعاثات أقل 84 دولة في العالم مجتمعة.
◄ هل تدمير البنية التحتية المصدر الرئيسي للانبعاثات؟
ورغم أن هذه الأرقام تعكس أول أسبوعين في الحرب فحسب، إلا أن التقديرات رتشير إلى أن الانبعاثات الفعلية خلال الأسبوع الرابع وما بعده قد تجاوزت هذه الأرقام بكثير، خاصة مع تصاعد العمليات العسكرية وتوسع نطاقها.

ويعتمد الباحثون في هذه التقديرات على بيانات مستمدة من تقارير إعلامية ومنظمات دولية، إلى جانب نماذج مستندة إلى أبحاث سابقة حول انبعاثات الحروب، مثل الغزو الأمريكي للعراق، وبيانات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
اقرأ ايضا| إيران المنهكة عسكرياً تفوز أيديولوجياً.. الدرس الذي لم يتعلمه ترامب
ويؤكد دي كليرك أن الاعتقاد الشائع بأن الانفجارات وتدمير البنية التحتية للطاقة هي المصدر الرئيسي للانبعاثات في الحروب، ليس دقيقًا بالكامل. إذ أن التأثير الأكبر بحسب تقديره يأتي من استهلاك الوقود من قبل القوات العسكرية، سواء عبر الطائرات المقاتلة التي تعتمد على الكيروسين، أو السفن البحرية التي تستخدم الديزل، مشيرًا إلى أن هذه الانبعاثات قد تكون أعلى ب 20 إلى 30 مرة مقارنة بتلك الناتجة عن تدمير المنشآت النفطية.
ولاتقتصر التأثيرات المناخية على العمليات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى تداعيات غير مباشرة، مثل تغيير مسارات الطيارات المدني، إذ أدى التصعيد في المنطقة إلى إعادة توجيه مئات الرحلات الجوية يوميًا، خاصة في منطقة الخليج التي تشهد حركة كثيفة تصل إلى نحو نصف مليون مسافر يوميًا، تلك المسارات تعني بالضرورة استلاكًا أكبر للوقود، وبالتالي زيادة إضافية في الانبعاثات.

◄ الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طبيعة الحروب
وفي بعض الحالات، اضطرت شركات الطيران إلى تغيير مسارها بسبب التشويش على أنظمة تحديد المواقع (GPS)، أو كإجراء احترازي لتجنب مناطق النزاع، ما يعكس كيف يمكن للحروب أن تؤثر على النظام البيئي العالمي حتى خارج نطاقها الجغرافي المباشر.
ومع دخول تقنيات الذكاد الاصطناعي في العمليات العسكرية، تبرز تحديات جديدة على صعيد الاستلاك الطاقي، إذ أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل طبيعة الحروب خلال العقد المقبل، وهو ما يثير مخاوف بشأن زيادة استهلاك مراكز البيانات للطاقة. وتشير التقديرات إلى أن هذه المراكز استهلكت نحو 1.5% من إجمالي الكهرباء عالميًا في 2024 مع توقعات بتضاعف هذه النسبة بحلول 2030.
من جانبها، أوضحت جريس ألكسندر، الباحثة في مرصد النزاعات والبيئة، أن تقييم التأثيرات المناخية الكاملة للحرب يتطلب وقتًا، خاصة فيما يتعلق بالآثار متوسطة وطويلة المدى، والتي تعتمد بشكل كبير على مدة الصراع ومرجلة إعادة الإعمار.
◄ توثيق الأضرار البيئية
وأشارت إلى أن التجارب السابقة، مثل الحرب الروسية - الأوكرانية، أظهرت أن الهجمات على المناطق الحضرية قد تؤدي إلى انبعاثات أكبر على المدى الطويل، خاصة خلال عمليات إعادة البناء، التي تتطلب كميات ضخمة من المواد والطاقة.

وفي سياق متصل، حذر دي كليرك من تجاهل عامل آخر بالغ الأهمية، وهو إعادة التسلح، إذ أنه مع تصاعد التوترات العالمية، يتزايد الإنفاق العسكري، ما يعني ارتفاعًا مستمرًا في الانبعاثات حتي في غياب النزاعات المباشرة، ويقدر أن الانبعاثات التشغيلية للجيش الأمريكي وحده بلغت نحو 32 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في 2024، قبل اندلاع الحرب الأخيرة.
وفي محاولة لتوثيق الأضرار البيئية، كشف ويليام زويجينبرغ، أخصائي الاستشعار عن بعد في منظمة "باكس" الهولندية، عن إنشاء قاعدة بيانات تضم أكثر من 500 ضرر بيئي داخل إيران، إلى جانب 100 حادثة خارجها، تم رصدتها باستخدام تقنيات الأقمار الصناعية وتحليل الصور الجوية.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







