كتبت – مي فرج الله
للدولة البريطانية سوابق تاريخية عديدة في مجال الأمن الغذائي، فهي دأبت على تجاهله تماماً حتى تقع الأزمة، وعندها فقط تُجبر على التحرك بسرعة كبيرة، وهو الأمر الذي كان بالإمكان تنفيذه بشكل أفضل وأكثر كفاءة لو أُخذ ملف الغذاء على محمل الجد منذ البداية. ونحن اليوم نعيد النظر في هذه الحقيقة القائمة، إذ كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن مدى اعتماد النظام الغذائي بشكل كلي على النفط؛ فالنفط هو الذي ينقل الغذاء من المزرعة إلى المائدة، وهو الذي يُستخدم أساساً في صناعة الأسمدة التي سمحت بزيادة الإنتاج الغذائي منذ الحرب العالمية الثانية، كما أنه هو الذي يُوصلنا إلى المتاجر، إلا في حال قررنا المشي أو ركوب الدراجات.
وقد تجلى هذا الاعتماد الوثيق أيضاً عندما غزت روسيا أوكرانيا في عام ٢٠٢٢، وعندما بلغ سعر برميل النفط مئة دولار في عام ٢٠٠٨، وفي صدمة النفط التي حدثت في سبعينيات القرن الماضي. وعندما قامت وزيرة المالية، راشيل ريفز، وبرفقتها وزيرة البيئة، إيما رينولدز، باستدعاء كبار تجار التجزئة للأغذية في الأسبوع الماضي، أظهر ذلك إدراكهم لهذا التأثير العميق، لكنهم في الوقت نفسه لم يكونوا مستعدين لما يجب فعله من إجراءات حقيقية.
وفي هذا الصدد، قال تيم لانغ، وهو أستاذ فخري لسياسات الغذاء في مركز سياسات الغذاء بجامعة سيتي سانت جورج لصحيفة الجارديان البريطانية ، إن المملكة المتحدة قد شهدت عن بُعد كيف أصبح انعدام الأمن الغذائي سمة رئيسية وأداة في الصراعات الدولية، بدءاً من المجاعة التي تسبب بها الإنسان في غزة، إلى تدمير روسيا لموانئ الغذاء في أوكرانيا، وصولاً إلى استخدام الحصار الغذائي في الحرب الأهلية السودانية. وقد وصل هذا التهديد المتمثل في انعدام الأمن الآن إلى شواطئنا، محولاً ما كان مجرد مصدر قلق للشعب البريطاني إلى تهديد حقيقي وداهم، ولا يجوز للحكومة أبداً التغاضي عن خطورة هذه اللحظة التاريخية.
وأضاف قائلاً ، يتطلب تعزيز الأمن الغذائي البريطاني تحولاً جذرياً يبدأ بتخلي السياسيين عن الانشغال الحصري بتضخم الأسعار والتركيز بدلاً من ذلك على معالجة هشاشة النظام الغذائي وسلاسل الإمداد الطويلة والمعقدة التي تجعلنا عرضة للاضطرابات العالمية، حيث تبرز الحاجة الملحة لبناء سلاسل إمداد أقصر وأكثر تنوعاً مع تقديم حوافز حقيقية للمنتجين المحليين، خاصة وأن الزراعة لا تحصل حالياً إلا على نسبة ضئيلة جداً من القيمة المضافة مقارنة بالأرباح التي تتركز لدى تجار التجزئة وقطاع الضيافة.
دروس من حرب إيران وروسيا وأوكرانيا
ومن الضروري سحب مبادئ استراتيجية الدفاع على قطاع الغذاء، نظراً لأن حصر توزيع المواد الغذائية في عدد محدود جداً من المراكز يجعلها أهدافاً سهلة في حروب الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والهجينة التي تهدد استقرار البلاد، مما يستدعي من وزارة البيئة والشؤون الريفية منح الأولوية للإنتاج الإقليمي وإعادة بناء قطاع البستنة؛ وهذا يتطلب بدوره مراجعة واقعية لأذواق المستهلكين التي لا تتوافق مع ما يمكن زراعته موسمياً، خاصة وأننا نستورد الغالبية العظمى من الفواكه ونعتمد على النفط في نقلها، وهو ما يجعل وعود "اقتصاديات الأمن الغذائي" التي أطلقتها الخزانة سابقاً مجرد شعارات لم تتحقق على أرض الواقع بعد.
وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن معالجة التفاوت الغذائي الذي يعاني منه واحد من كل خمسة أشخاص يعد ركيزة أساسية لبناء التماسك الاجتماعي اللازم لمواجهة الأزمات، كما يجب على الحكومة مخاطبة الجمهور بصراحة وتقديم توجيهات واقعية تتجاوز النصائح السطحية بالتخزين البسيط، لتشمل وضع إرشادات غذائية تعزز القدرة على الصمود وتخطط لنظام تقنين حديث يضمن العدالة في التوزيع بدلاً من ترك الأسواق تخدم الأثرياء فقط وقت الصدمات.
وختم كلامه قائلاً ، إن تعزيز السيادة الغذائية يستوجب أيضاً إعادة النظر في التخزين الوطني والإقليمي ومنح السلطات المحلية صلاحيات لإنشاء لجان مدنية تُشرف على المخزون المحلي أسوة بدول مثل سويسرا والسويد والصين، وبالتوازي مع ذلك، ينبغي إطلاق استراتيجية وطنية جديدة للأراضي تهدف لتوسيع رقعة الحدائق المنزلية والزراعات المجتمعية، من خلال حشد خبرات الأكاديميين والمنظمات المتخصصة لتحديد الأراضي الصالحة للزراعة وتيسير استغلالها، بما يعيد إحياء روح المبادرات الوطنية الكبرى التي تضمن إنتاج الغذاء للفرد وللمجتمع ككل.


الجيش الباكستاني يعلن مقتل 15 شخصا في تفجير انتحاري شمال غرب البلاد
لقاء مرتقب بين نتنياهو ترامب.. إيران في مقدمة الملفات
ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تشاركان في الصراع الإيراني عبر بيع الأسلحة لطهران






