أسدل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الستار مؤقتاً على الحرب مع إيران بإعلان هدنة لأسبوعين، غير أن التهديد الذي أطلقه قبيل الإعلان بساعات، والقاضي بأن "حضارة بأكملها ستموت الليلة"، لم تُخمد نيرانه بانتهاء المعركة، بل أشعل في الداخل الأمريكي جدلاً واسعاً تجاوز خطوط الحزبين، وامتد ليطال مصداقية الرئيس وأخلاقياته وحالته النفسية، وفق ما رصدته صحيفة واشنطن بوست.
فلسفة ترامب في إدارة الأزمات
تشير الصحيفة الأمريكية الى انه لا يمكن فهم ما جرى مع إيران بمعزل عن الطريقة التي يفكر بها ترامب في مواجهة خصومه، فوفقاً لما كشفته واشنطن بوست عن تصريحاته في جمع للمانحين خلال حملته الانتخابية عام 2024، أفصح ترامب عن تكتيكه المفضل في ردع المنافسين، مستعيداً حواره مع الرئيس الصيني شي جين بينج حين هدده بضرب بكين: "اعتقد أنني مجنون، لم يصدقني تماماً، إلا بنسبة 10 بالمئة، وهذا يكفي".
هذه الفلسفة، التي تستحضر "نظرية الرجل المجنون" للرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، تقوم على الرهان بأن الخصم لن يجرؤ على تجاهل تهديد بعواقب كارثية ولو احتمل صدقه بنسبة ضئيلة.
وقد طبق ترامب هذا المبدأ مراراً، حين هدد بالانسحاب من حلف الناتو عام 2018، ورفع الرسوم الجمركية عام 2025، والاستيلاء على جرينلاند، قبل أن يضع هذه المقاربة أمام أشد اختباراتها مع طهران.
انتصار أم تمديد للأزمة؟
أعلن البيت الأبيض أن الهدنة تُمثل خطوة حقيقية نحو إنهاء الحرب خلال ستة أسابيع، إذ أكدت المتحدثة كارولين ليفيت أن "نجاح العمليات العسكرية منح ترامب النفوذ التفاوضي الأقصى"، في إشارة إلى أن ما حدث ليس مجرد تمديد ثالث، بل مقدمة لحل دبلوماسي. وتضمنت الاتفاقية تعهد إيران بفتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، كما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعمه للقرار، مع تأكيده أن الهدنة لا تشمل لبنان، غير أن الصورة لا تبدو بهذا الوضوح، إذ ان إيران وصفت الاتفاق هي الأخرى بأنه انتصار لها، وطالبت بدور في الإشراف على الملاحة في مضيق هرمز لم يكن لها قبل الحرب.
وقد لفت مستشار مكافحة الإرهاب السابق جو كينت، الذي استقال احتجاجاً على الحرب، إلى أن "كل إجراء عسكري اتُخذ زاد من قوة النظام الإيراني وزعزع استقرار المنطقة"، فيما أشار البيت الأبيض إلى أن أحد الأهداف كان ضمان "عدم حصول إيران على سلاح نووي"، في حين لا تزال طهران تحتفظ بمخزونها من اليورانيوم المخصب ولم توافق على التخلي عنه.
عاصفة الداخل
أشعل تهديد ترامب جدلاً غير مسبوق امتد عبر الطيف السياسي بأكمله، فمن داخل الحزب الجمهوري، وصفت السيناتور ليزا موركاوسكي التهديد بأنه "إهانة للمُثل التي سعت أمريكا إلى ترسيخها طوال قرابة 250 عاماً"، محذرةً من تداعياته على سمعة الولايات المتحدة وسلامة مواطنيها.
وذهب المذيع الأمريكي تاكر كارلسون إلى اتهام ترامب بارتكاب "جريمة أخلاقية"، فيما وصفت النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور جرين التهديد بأنه "شر وجنون".
وطالب أستاذ جامعة برينستون روبرت جورج الضباط العسكريين صراحةً برفض أي أوامر تستهدف المدنيين، بينما رأى الاقتصادي أورين كاس أن التهديد يُمثل "كارثة استراتيجية وأخلاقية".
ومن الجانب الآخر، لم يتأخر صقور الحرب في توجيه انتقاداتهم هم أيضاً، لكن من زاوية مغايرة، إذ عبر مورتون كلاين، رئيس منظمة الصهيونية في أمريكا، عن قلقه من أن طهران تكسب وقتاً لإعادة تسليح نفسها، فيما كتب المذيع الإذاعي إيريك إريكسون ساخراً: "لدى إيران أسبوعان لاستيراد الأسلحة من روسيا والصين والاستعداد للجولة الثانية".
الثمن الباهظ لسياسة الحافة
رصدت واشنطن بوست الكلفة الحقيقية لهذه الحرب التي لم تنتهِ بعد، إذ قتل 13 جندياً أمريكياً، وعشرات الإسرائيليين، وآلاف المدنيين الإيرانيين، إلى جانب استنزاف ممنهج للمخزون العسكري الأمريكي، وارتفاع حاد في أسعار الوقود، وتراجع ملموس في شعبية ترامب.
والمفارقة الكبرى أن ترامب الذي قدم نفسه مرشح السلام الذي سيُنهي حروب غزة وأوكرانيا ويجنب بلاده مستنقعات أفغانستان والعراق، باتت صورته اليوم مثار شكوك حتى بين مناصريه.
وقد استدعى البيت الأبيض، في خطوة لافتة، التأكيد صراحةً على أن الإدارة "لا تدرس استخدام الأسلحة النووية"، وذلك إثر تصريح نائب الرئيس جي دي فانس عن "أدوات في الترسانة لم نستخدمها بعد"، في مشهد يختصر حجم الارتباك الذي باتت تعيشه الإدارة الأمريكية وسط اختبار يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.


الجيش الأمريكي يعلن حصيلة ما تم استهدافه خلال ضرباته على إيران أمس
البيت الأبيض: ترامب يحضر مراسم نقل جثامين القتلى الأمريكيين اليوم
إيران تحت القصف لليلة الـ11.. وانفجارات تهز عدة مدن






