في لحظة مرعبة قبل ساعتين فقط من موعد تنفيذ تهديده بتدمير "حضارة بأكملها"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فجر اليوم الأربعاء موافقته على وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، مشترطاً موافقة طهران على إعادة فتح مضيق هرمز، وهذا التراجع اللحظي يكشف حقيقة مفارقة، وهي انه رغم الضربات العسكرية القاسية التي تلقتها إيران، إلا أن النظام الإيراني لا يزال صامداً، مما يطرح تساؤلاً محورياً حول من فاز فعلياً في هذه المواجهة غير المتكافئة.
إيران المنهكة عسكرياً ترفض الاستسلام
تكشف صحيفة التايمز البريطانية أن إيران تعرضت لسلسلة ضربات عسكرية مدمرة أدت إلى مقتل قائدها الأعلى، بينما يُعتقد أن خليفه أصبح عاجزاً عن تولي مهامه، كما قُتل معظم القيادات العليا في الجهازين العسكري والأمني أو اختبأوا تحت الأرض، فيما أُغرق الجزء الأكبر من الأسطول البحري الإيراني، وتعرضت قدرات إطلاق الصواريخ لتدمير كبير.
ووفقاً لمعايير الحروب التقليدية، كان يُفترض أن تكون إيران قد استسلمت بالفعل، لكن الواقع يقول عكس ذلك تماماً، إذ أن طهران ترفض الانصياع للمطالب الأمريكية بالاستسلام الكامل، في تحدٍ صريح لا يتوافق مع فهم ترامب لكيفية صنع الصفقات والضغوط.

منطق صفقات الأعمال يصطدم بجدار الأيديولوجيا
يتعامل ترامب مع الأزمة الإيرانية بنفس المنطق الذي عرضه في كتابه "فن الصفقة" عام 1987، حيث كتب: "أسلوبي في عقد الصفقات بسيط ومباشر للغاية، أضع أهدافاً عالية جداً، ثم أستمر في الضغط والضغط والضغط للحصول على ما أريد"، وقد طبق هذا النهج بمطالبة إيران بإعادة فتح مضيق هرمز، وتفكيك جميع منشآت تخصيب اليورانيوم، ووقف دعم الميليشيات المسلحة الموالية لها، مع إصدار تهديدات متصاعدة باستمرار.
لكن المشكلة الجوهرية، حسب تحليل الصحيفة البريطانية، تكمن في أن قواعد ترامب للتفاوض القائمة على الإيمان بمفاهيم التسوية والمقايضة تفقد صلاحيتها تماماً عند التعامل مع نظام تحمل نصف قرن من الحرمان الاقتصادي والعزلة الدولية من أجل الحفاظ على مبادئه التأسيسية المرتبطة بثورة 1979، وهي المقاومة ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
البقاء هو الانتصار
يوضح الخبير الإيراني الأمريكي كريم صادق بور في مقال له بمجلة "ذا أتلانتك" أن المشكلة الكبرى لترامب تكمن في خلطه بين مصالح النظام ومصالح الدولة، إذ ان النظام الإيراني لا يسعى للاستقرار والانفتاح، بل يراهما نقيضاً لأهدافه الأساسية.
ويضيف صادق بور: "أيديولوجية النظام هي المقاومة، واستراتيجيته هي الفوضى، وهدفه النهائي هو البقاء".
وبالنسبة لطهران، فإن الانتصار ليس مسألة الفوز بالمعنى التقليدي، بل هو مجرد عدم الخسارة.
ويشرح صادق بور أن "العداء لأمريكا بالنسبة للقيادة المتبقية من النظام ليس ورقة مساومة، بل هو أساس هوية النظام وإحساسه بشرعيته الذاتية ما يسميه علماء السياسة الأمن الوجودي"، مؤكداً أن "أي صفقة تتطلب التخلي عن هذا المبدأ تمثل تهديداً وجودياً أكبر من الحرب، فلا يمكنك التفاوض على الشيء الذي يبرر وجودك".
ورقة الضغط التي قلبت الموازين
رغم إعلان ترامب في مؤتمر صحفي يوم الاثنين: "لقد انتصرنا، لقد هُزموا عسكرياً، الشيء الوحيد المتبقي لديهم هو سيكولوجية إلقاء بعض الألغام في المياه"، إلا أن الحقيقة أكثر تعقيداً مما يصوره الرئيس الأمريكي.
تشير صحيفة التايمز إلى أن الضربات الجوية المكثفة لن تحل المشكلة الأكثر استعصاءً لترامب، وهي سيطرة إيران على مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، إذ ان الانتصار الذي تحتفظ فيه إيران بالسيطرة على المضيق، مع القدرة على التحكم في أسعار النفط حسب رغبتها لسنوات قادمة، سيكون صعب البيع حتى على صانع صفقات مثل ترامب.
وما يسميه ترامب "سيكولوجية"، يسميه آخرون "ورقة ضغط"، وورقة الضغط كما يذكر كتاب "فن الصفقة" القراء هي أقوى ما يمكن امتلاكه.
دروس من غزة
يقدم مثال إسرائيل مع حركة حماس تحذيراً مهماً لترامب، وفقاً للتايمز، إذ انه بالرغم من عامين ونصف من العمليات العسكرية المكثفة التي حولت قطاع غزة إلى ركام وأسفرت عن استشهاد أكثر من 70 ألف شخص حسب وزارة الصحة، إلا أن الحركة لا تزال نشطة ورفضت المطالبات بتسليم سلاحها.
وحتى لو كانت الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد دمرت البنية التحتية المدنية في إيران، يشكك كثيرون في قدرتها على كسر النظام.

الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







