البركة فى جبل الطير

سر تسمية «صخرة الكف» و«جبل البكرة» فى مسار العائلة المُقدَّسة بالمنيا

 موثق ورحالة أردنى
موثق ورحالة أردنى


تقرير وتصوير:عبدالرحيم العرجان موثق ورحالة أردنى

غارٌ صغير فى جبلٍ مهيب، آوت إليه السيدة العذراء وطفلها السيد المسيح عليهما السلام، فى رحلةٍ أراد الله أن تكون فى أرض مصر. واليوم نحن فى عروس الصعيد، المنيا.. اجتزنا نهر النيل بسمالوط إلى الوجه الغربى بعبّارةٍ أقلّتنا مع عددٍ من السيارات، ونحن نرقب جبلًا عظيمًا يتربّع عليه دير ومنازل تراثية، وفندقٌ بُنى من ذات الصخر. فالبياض يعمّ المكان، والقلوب عامرة بصفائه النقى.

تخلّلنا بيادر خضراء زيّنت الجبل كالوشاح، يلتف حوله حتى وصلنا إلى بوابة الزوار، بعد المرور بعددٍ من المدافن المزركشة التى ما زالت مُستخدمة حتى اليوم، تضم رفات أهل المكان ومن نذر نفسه لخدمته، ومن أوصى أن يُدفن فيه بعد أن عادت روحه إلى بارئها.. مبنى مربع جميل العمارة، قليل الزخارف، من طابقين تعلوه قباب وجرسية، يتوسط باحة يعمّها السكون. وما إن تدخله من بابه الجنوبى حتى يدبّ فى قلبك طمأنينة، تستحضر سكينة السيدة البتول حين أوت فى غارها الصغير بضعة أيام، قد تكون ثلاثة، للاستراحة من عناء رحلةٍ أنهكت الجسد، يسودها القلق من بطش الطاغية هيرودس الذى أمر بقتل صغار الأطفال بلا رحمة، خشيةً على ملكه بعد أن ظهرت العلامة للمجوس بظهور النبى فى فلسطين.
أُعيد إعمار المكان فى عهد الملكة هيلانة عام 328م، ليبدع المهندس المصرى فى تصميمه، فيغدو أيقونةً معمارية فريدة تتفرّد بالبناء والتصميم، كرامةً لقدسية المكان واحتفاءً بالسيدة الأم واحترامًا لقاصديه من كل أصقاع الأرض.
يرتفع صحن الكنيسة على اثنى عشر عامودًا عظيمًا، بقواعد مربعة وتيجان غير مزخرفة، وعوارض من ذات الصخر، وفى أحدها نُقِب جرن المعمودية، ومجالس حجرية تزيد من بساطة المكان وقربه من الروح، واتصال الجسد بالأرض، وكل ما يحيط به من صخر.
وعلى ذات الصخر طُبعت يد السيد المسيح حين احتمى من صخرة كادت أن تقع عليه، إلا أنها محفوظة اليوم فى المتحف البريطانى، شاهدًا آخر على الرواية. ومن هنا عُرف الجبل أيضًا باِسم «جبل الكف» أو «الصخرة»، ونأمل أن تعود هذه القطعة إلى مكانها.
وفى أربعينيات القرن الماضى، أُزيل السقف القديم، وبُنى طابق ثانٍ يضم عددًا من القطع الأثرية والأيقونات التى أُهديت للدير، منها أيقونة أبدع برسمها الفنان أنسطاسى القدسى عام 1554م.
تجوّلنا فى الجبل بين بيوتٍ ومساكن تراثية، وكان ترحاب الأهالى لافتًا عندما كانوا يرون علم الأردن المثبَّت على حقيبتى، مع دعواتٍ لشرب الشاى وكرمٍ لا يُرد، لصدوره من القلب.
وفى حديثهم، أخبرونا بأن المكان يشهد فى عيد العذراء، بعد موسم الحصاد فى شهر يونيو، توافد مئات الآلاف من الزوار من مسيحيين ومسلمين، مصريين وعربٍ وأجانب.
أُنشئت دار ضيافة وفندق عصرى لهذه الغاية، وكان لنا فيه عشاء مُطل على النيل، فى مشهدٍ أعدّه من أجمل ما فى الزيارة.. وكان النيل، قبل بناء السد العالى، يفيض حتى أطراف الجبل، فتُستخدم سلال معلَّقة بالحبال لرفع المؤن، ومن هنا جاءت تسمية «جبل البكرة». وما زال معلم الصعود القديم قائمًا حتى اليوم، وهو ما ذكره المقريزى، كما أضاف لتسميته «بجبل الطير». ومن الجبل هناك «سلم» يقود إلى أسفله، وخلال جولتنا دخلنا كهفًا آخر يُعرف بـ «كنيسة الهروب»، بمدخلٍ مُقوَّس من ذات الصخر، بعمق خمسة عشر مترًا، ينتهى بمذبحٍ وهيكل.. ومن هنا ارتحلت العائلة المقدسة إلى الأشمونين، وفى طريقهم استراحوا تحت شجرة لبخ (غار)، مازالت قائمة حتى اليوم، وتُعرف باِسم «شجرة العابد»، فى موقعٍ ليس بعيدًا عن الجبل.. وهكذا نغادر جبل الطير، لا ونحن نودّع مكانًا، بل نترك وراءنا صفحةً من السكينة علّقت شيئًا منها فى أرواحنا. فليست كل الرحلات تُقاس بعدد الكيلومترات، بل بما تزرعه فى القلب من طمأنينة، وما تفتحه من نوافذ للتأمل والإيمان.فى هذا الجبل، تختلط الحكاية باليقين، ويغدو الصخر ذاكرةً حيّة، تحمل آثار العابرين. ومع انسياب نهر النيل بجواره، كأن الزمن نفسه يهمس بأن ما مَرَّ هنا لم يكن عابرًا، بل أثر باقٍ يرويه المكان لكل مَن يقصده.. نمضى ويبقى الجبل شاهدًا على رحلةٍ مباركة، وعلى معنى أن تكون الأرض فى بعض بقاعها، أقرب إلى السماء.