فى فيلم «بنات الليل» تعلمت كيف أطرح الأوهام التى تعلق برأسى أمام الكاميرا، فقد كنت بسبيل أداء مشهد يشترك معى فيه الممثل الكبير حسين رياض، وكانت هذه هى المرة الأولى فى حياتى التى أقف فيها أمام حسين رياض، وفجأة وجدت كل صوره فى أدواره المختلفة تقفز إلى رأسی، ووجدت نفسى أقول فى «همس» ترى كيف أستطيع أن أقف أمام هذا الجبار كان دورى دور راقصة فى كباريه تحب ابن شيخ وقور، هو حسين رياض، وأن اذهب اليه ليرضى عنا فيطلب منى أن أبعد عن ابنه، وهنا أقول له إن الله يغفر للناس فكيف لا يغفر لى المخلوق كانت عبارات الحوار مركزة، كل كلمة فى كل مباراة كانت قذيفة تنطلق لتصيب هدفاً مرسوماً، ورأيت حسين رياض وقد وقف وعليه المهابة والجلال، ونظرت إلى وجهه وهو يسرح سرحته الفنية ليتقمص شخصيته فأدركنى الخوف من الفشل، ووجدتنى أرجع إلى كل كلمة حفظتها من كلمات الحوار، بل وجدتنى أصُاب بما يشبه الذهول، وخيل الىّ أنها ستكون فضيحة فنية إن أنا وقفت أمام الكاميرا لا أتذكر كلمة.. واتجهت إلى المخرج الأستاذ حسن الإمام، وقلت له كل ما أفكر به فقال لى: أنتِ لم تولدى ممثلة، كلنا نتعلم التمثيل، أحسن طريقة لتؤدى دورك هى أن تنسى أنكِ أمام حسين رياض الممثل الكبير، اعتبرى نفسك وحيدة أمام الكاميرا، ولا تتذكرى غير واجبك..
وقد حدث وقفت أمام الكاميرا وكأننى لا أرى حسين رياض وكانت هذه هى الطريقة المُثلى لأطرح عنى الخوف وأؤدى المشهد بنجاح.. ولم أفق من غيبوبتى، ومن نسيانى لحسين رياض إلا عندما أقبل بنفسه يصافحنى مهنئاً.. وهو لا يدرى أننى نسيته تماماً وأنا أمام الكاميرا وقد حدث ما أطلق العنان لدموعنا كلنا فى الفيلم حين أصاب بداء الصدر، وأبی حسین ریاض يخرج من السجن حطاماً، ويقبل كمال الشناوى فنى فيطلب يدى منه..
يحدث هذا فى الوقت الذى يفكرون فيه فى نقلى إلى المستشفى، ويدخل أبى ليقول لى إنه وجد لى مكاناً فى المستشفى، وقبل أن يدخل أبى يخرج كمال الشناوى، حضر المأذون.. تتجمع كل هذه الأمور أمام عينى وأنا راقدة فى فراشى فانهض عن وسادتى قليلاً وأقول : هاتوا لى فستان الفرح. كان فستاناً قد أعددته من قبل، فأحضروه لى وهم يخفون دموعهم، ولبسته وأنا على فراش الموت، ودخل كمال ليرانى فى ثوبى الجميل فقال: إن المأذون فى طريقه إلينا ویدركنی التعب فأقول لكمال: طلعنى على السرير..
أقولها فى وهن، وأبی حسین ریاض يعلم أننى فى طريقى إلى القبر، وكمال يغالب دموعه لأنه يعلم أن نهايتى قد أصبحت وشيكة.. دموع تهطل من كل من: كمال وحسين وأنا والبلاتو پسوده مسمت عمیق، لا حركة ولا نامة. وفجأة سمعت صوت ارتطام جسم بالأرض، ورغم أن تعاليم المخرج تقضى بألا أترك دورى حتى ولو تهــــــدم الاستديو إلا أننى ودون وعى منى، نظرت إلى المخرج فوجدته قد سقط على الأرض، وحين أفاق قال إنه لم يعتقد أننا كنا نمثل، كان كل ما فى المشهد طبيعى للغاية، كان فيه كل الألم وكل الأسى وكل التأثير، ولهذا أغُمى عليه.. إننى اعتبر اللقطة التى أنست المخرج أنه يخرج أعظم لقطة فى حياتى.
هند رستم «الكواكب» - 27 مارس 1956

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







