فى أجواء من البهجة والسعادة تحتفل الكنائس المصرية بأسبوع الآلام الذى ينتهى بعيد القيامة أهم الأعياد المسيحية وأكثرها قداسة، ورغم أجواء الحرب والكرب التى تخيم على المنطقة، وممارسات الاحتلال الإسرائيلى المجرمة بغلق كنيسة القيامة بالقدس المحتلة، فإن مصر عرفت كيف تخلق البهجة والفرحة من قلب الألم والحرب، وترسل برسالة محبة وسلام تفضح العدو الصهيونى المتربص الذى يضيق على الفلسطينيين أصحاب الأرض فى مقدساتهم.
الكنائس المصرية وفى مقدمتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، احتفلت بأسبوع الآلام برسالة فرح وبهجة ومحبة وسلام علها تصل إلى من يريد إشعال المنطقة بنار الحرب، رفع المسيحيون سعف النخيل رمز السلام والأمل بالخير القادم فى أحد الشعانين، وتكحلت النساء بالكحل فى سبت النور، ورفعت الأيادى بالدعاء والترانيم فى قداس القيامة على أمل أن يحفظ الله مصر وشعبها وألا يحوجها للئيم يتربص بها، وأن يعم الأرض السلام لتتحقق مقولة الإنجيل اوعلى الأرض السلام وبالناس المسرةب.
البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية أشار إلى معانى الفرح خلال عظته بقداس أحد الشعانين فى الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية قائلًا: اأحد الشعانين هو حدث فريد فى التاريخ وفى طقس الكنيسة، فعيد دخول أورشليم به مظاهر فرح عديدة، ومنها أن أورشليم كانت فى حالة انبهار من معجزة إقامة لعازر، وهو حدث كان له تأثير عميق وواسع لدى الشعب اليهودي، لذلك خرجوا بفرح عظيم يستقبلون المسيح حاملين سعف النخل وأغصان الزيتون فى لقاء الفرحب.
الدعوة للفرح واختلاس لحظات البهجة فى زمن الحرب له ما يبرره، فالهمجية الإسرائيلية تواصل الإجراءات المشددة ضد المسلمين والمسيحيين على حد سواء، فاستمرت إجراءات غلق المسجد الأقصى وكنيسة القيامة لأكثر من 30 يوما، فى إجراءات عنصرية ضد أبناء فلسطين من الديانتين، لكن الأزمة أن إغلاق أبواب كنيسة القيامة بالقوة الجبرية للاحتلال عطل الاحتفال بأسبوع الآلام فى مهد الديانة المسيحية، فكنيسة القيامة التى كانت تستقبل مئات الآلاف فى أسبوع الآلام وتحديدًا عيد القيامة حيث يؤمن المسيحيون أن المسيح قام فى هذا اليوم إلا أن حكومة الاحتلال الصهيونية قللت الفرحة بفرض حصار على الكنيسة المقدسة، فاقتصرت الاحتفالات على أعداد محدودة من قساوسة وآباء الكنيسة.
جولة على مداخل الكنائس فى يوم الأحد الأول لأسبوع الآلام كافية لتعرف أن اليوم هو أحد السعف - أو الزعف كما ينطقه البعض - فبائعو سعف النخيل يفترشون الأرض أمام أبواب الكنائس يبيعون للمترددين السعف المخصص للاحتفال بالعيد، ولا يكتفى صانعو السعف على الأشكال الاعتيادية التى تُحمل باليد وتُرفع لتمثيل تحية أهالى أورشليم للحظة دخول السيد المسيح للمدينة، بل إن بهجة الأطفال وإقبالهم على شراء السعف دفعت صانعيه على التفنن فى صناعة أشكال جديدة تدخل البهجة على قلوب الكبار قبل الصغار، فترى التيجان المصنوعة من السعف للأولاد، والأطواق للفتيات، وأشكالاً للصليب والقلب والشمعة والنجمة وغيرها من الأشكال الفنية الجميلة التى تخفى صنعة الفنان المصرى الذى يبدع فى تشكيل تحف فنية مشغولة بحب من سعف النخيل.
كرنفال السعف
ويحتفل الشباب والأطفال بأحد السعف بشكل كرنفالي، إذ لا تجد أى مسيحى لا يمتلك ذكريات مع هذا اليوم، إذ يقول عماد أمير- شاب ثلاثينى- إن االاحتفال بأحد السعف عند الأطفال له طقوس خاصة بالذهاب لشراء السعف والعمل على محاولة تكوين أشكال خاصة منه وهو فى حالته الرطبة، لأنه عندما يجف يتكسر ولا يمكن استخدامه، وعندما كنا نفشل فى عمل الأشكال المطلوبة كنا نسعى لشراء الأشكال الجاهزة من باعة السعف الجاهز وما أكثرهم فى أحد السعف، الذى يحرص الأطفال على المشاركة فيه وحضور قداسه فى الكنائس فى أجواء مبهجة نحمل معها ذكريات تعيش معنا العمر كله، فهو من أكثر الأيام التى يكوّن فيها الأطفال ذكريات من خلال طقوس الاحتفال بأحد السعفب.
الابتسامة هى عنوان حد السعف، فهو مناسبة دينية اجتماعية بامتياز، يشارك فيه الأطفال بكثافة عبر المشاركة فى المواكب والاحتفالات التى تقام فى الكنائس بغرض إعادة إحياء استقبال أهالى أورشليم للسيد المسيح، عندها يكتسب حمل السعف وأغصان الزيتون معنى أكثر رمزية وروحية، لأن سعف النخيل يشير إلى الظفر والانتصار، ومن الملاحظ أن الألحان الكنسية ذاتها تميل إلى الفرح والبهجة خلال قداس أحد الشعانين الذى تشارك فيه الأسر المسيحية بكثافة وأجواء احتفالية بدخول السيد المسيح لأورشليم كملك منتصر، لذا تحرص مختلف الكنائس المسيحية على الاحتفال بهذا اليوم بشكل كبير.
وينتمى أحد الشعانين إلى مجموعة الأعياد السيدية فى المسيحية، وهى الأعياد المرتبطة بخلاص البشرية مباشرة، ولبيان أهمية أحد الشعانين نذكر بأنه العيد الوحيد مع عيد القيامة الذى ينتمى إلى الأعياد السيدية الكبرى فى أسبوع الآلام، وتم اشتقاق كلمة شعانين من الكلمة العبرانية (هوشعنا) والتى معناها: يا رب خلص، وعادة ما يشهد هذا اليوم الاحتفالى مباركة كاهن كل كنيسة لأغصان شجر الزيتون وسعف النخيل، ويتم حملها بطريقة رمزية لاستعادة ذكرى دخول السيد المسيح الاحتفالى على ظهر أتان وجحش لمدينة أورشليم، واستقبال أهالى المدينة له إذ خرج أكثرهم لاستقبال المسيح وفرشوا ثيابهم أمامه ولوحوا له بأغصان الزيتون وسعف النخيل، وهم يصرخون اهوشعنا لابن داوود مبارك الآتى باسم الرب هوشعنا فى الأعالىب (متى 21: 9).
واكتسب حدث دخول المسيح لمدينة أورشليم مكانة خاصة إذ يعد تجسيدا وتحقيقًا لنبوءة زكريا عليه السلام إذ يقول: اابتهجى جدا يا ابنة صهيون اهتفى يا بنت أورشليم. هو ذا ملكك يأتى إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتانب (زكريا 9: 9). ويعرف أحد الشعانين بأسماء كثيرة تعبر كلها عن خصوصية هذا العيد لدى المسيحيين، فهو (أحد المستحقين)، لأنه يعبر عن طلاب العماد الذين أرادوا الدخول فى المسيحية على يد السيد المسيح، كما أطلق عليه قديما (أحد غسل الرأس) لأنه مرتبط بالإشارة إلى التطهير والتطهر استعدادا للدخول فى المسيحية، كما يطلق عليه أحد الأغصان لأن أهالى أورشليم حملوا الأغصان تحية للسيد المسيح لحظة دخوله للمدينة، أما الاسم الأشهر لأول أيام أسبوع الآلام فهو أحد السعف إذ يرتبط الاحتفال بمظاهر استخدام سعف النخيل بكثافة.
اقرأ أيضا: آلاف الأقباط يحتفلون بأحد الشعانين في الغربية وسط أجواء روحانية وتنظيم مميز
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







