المطران عطا الله حنا: القدس تعيش «كارثة».. ولن تتحول لـ«ترانزيت» لاقتصاد المنطقة

المطران عطا الله حنا
المطران عطا الله حنا


حوار : سمر‭ ‬صلاح‭ ‬الدين

انقضى سبت النور، لكن عتمة الحصار فى القدس لم تتبدد.. من تحول الأقصى فى وحشة حصاره إلى محراب للانتظار.. حيث تشيخ الحجارة فى غياب خطى المصلين، وتغدو أساوره سدًا صامتًا اتسأل عن أهل الصفة الجدد.. وتفتقد الساحات سجودًا كان يبعث الحياة فى صمت الثرى.. إلى أحد الشعانين حزين ذبلت فيه سعوف النخيل خلف الأسوار الموصدة.. ولا تزال أصداء حصار نور القيامة تتردد فى أزقة البلدة القديمة.. مشهد لم يكن مجرد إجراء أمنى، بل كان فصلًا إقصائيًا استهدف خنق الرمزية الروحية فى امهدهاب.

مع آلام القدس الممتدة، نذهب إلى ما وراء الصورة لنحاور المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس فى القدس، حارس الروح الذى وقف ندًا لند أمام أيديولوجيا تجارة الهيكل، نستقرئ معه رسالة الثبات وصمود الروح التى تأبى الاغتراب.. من صفاقة الإساءة التى وجهها نتنياهو لشخص السيد المسيح وقيمه، إلى تحويل أقدس أيام المسيحية إلى ثكنة عسكرية.. وسط عالم يشاهد صلب الحقيقة بدم بارد.. ومدينة تأبى أن تطفئ قناديل يقينها..

 هل نحن أمام عملية تأميم للقداسة وتحويل القدس من مدينة جامعة إلى ثكنة وظيفية تخدم سردية إقصائية واحدة؟ وكيف يواجه المقدسيون اليوم خطر تحويل مدينتهم إلى متحف صامت مفرغ من جسده الديمغرافى الأصيل؟

- منذ سنين طويلة ونحن ندق ناقوس الخطر ونقول بأن القدس فى خطر، لكن القدس اليوم ليست فى خطر فحسب، بل هى فى كارثة وفى محنة مروعة، حيث يستهدف المقدسيون جميعًا فى مقدساتهم وأوقافهم وكافة تفاصيل حياتهم، قلنا ونقول بأن القدس مدينة مقدسة فى الديانات التوحيدية الثلاث، ولكن الاحتلال يسعى لجعل القدس تحمل لونًا واحدًا وطابعًا واحدًا، وفى هذا تجاهل للحضور الفلسطينى وفى أهمية القدس فى الديانتين المسيحية والإسلامية، المقدسيون يعاملون وكأنهم غرباء فى مدينتهم.. ولكن هنالك أيضًا مخطط خطير وهدفه عزل القدس عن الجسد الفلسطينى، الفلسطينيون يقولون إن القدس عاصمتهم الروحية والوطنية، والاحتلال يسعى لاقتلاع القدس من وجدان الثقافة والهوية الفلسطينية. فهناك حواجز عسكرية وبوابات حديدية تمنع الفلسطينيين من الوصول إلى القدس.. الفلسطينيون المقدسيون يعانون.. ولكن فى الضفة الغربية الفلسطينيون ممنوعون من المجىء للقدس، فالبوابات تقف لهم بالمرصاد، يراد للفلسطينيين فى الضفة الغربية وفى غزة أن يتأقلموا مع واقع يكونون فيه بعيدين عن القدس، غير قادرين على الوصول إليها. عندما أذهب إلى بيت لحم أو رام الله أو غيرها من المحافظات لإلقاء المحاضرات أو إقامة الصلوات فى الكنائس، كثيرًا من الأحيان يأتى الشباب ويقولون لي: يا سيادة المطران، نحن لم نأتِ إلى القدس إطلاقا، لم نعرف القدس إلا من خلال الصور والشاشات، وهذا ما يسعى إليه الاحتلال.. يريدون للفلسطينى أن يكون بعيدًا عن القدس، يريدون أن تتحول القدس إلى أماكن يأتى إليها الحجاج والزوار وكأنها أماكن للزيارة والحج فقط، وليست أماكن مرتبطة بالحضور الإسلامى والمسيحى العريق فى هذه الأرض المقدسة.

 إغلاق القيامة وحصار االأقصى.. هل هو إجراء أمنى أم أنه ابالون اختبار جيوسياسىب لقياس مدى قدرة العرب على حماية خطوطهم الحمراء؟ وهل تعتقدون أن اسلاح الرمزية الدينية قد تآكل فعليًا أمام واقعية القوة الخشنة؟

- لقد أغلقت كنيسة القيامة والمسجد الأقصى منذ اليوم الأول للحرب، طبعًا ليست هذه المرة الأولى التى يتم فيـها الإغــلاق، فقـد مــرت القدس بظروف غاية فى الصعوبة والتعقيد خلال عشرات السنين، بل القرون المنصرمة، كنيسة القيامة اليوم مغلقة بسبب منع الاحتلال أن تفتح الكنيسة، وهم يقولون لأسباب احترازية، لأسباب لها علاقة بالناس والمصلين وما إلى ذلك.. وما نخشاه فى الحقيقة هو أن يتم استغلال حالة الحرب وذريعة أمن وأمان المصلين من أجل فرض حقائق ووقائع جديدة على الأرض، سواء كان فى المسجد الأقصى أو فى كنيسة القيامة، نحن نتمنى أن تتوقف الحرب وأن تنتهى قريبًا وسريعًا لكى يتمكن الفلسطينيون المسيحيون والمسلمون من الوصول إلى مقدساتهم، الصلاة لن تتوقف، لمن لا يعرف كنيسة القيامة بها دير ورهبان ومطران وشمامسة، وفيها كهنة، ومنذ أن تم إغلاق الكنيسة منذ اليوم الأول للحرب، الطقوس تقام بشكل اعتيادى والأبواب مغلقة من قبل الآباء الموجودين داخل الكنيسة.. فالصلاة لم تتوقف ولو ليوم واحد فى ظل هذه الظروف الراهنة، ولكن الأبواب مغلقة ولا يسمح لأحد أن يأتى من الخارج.. ننادى ونتمنى أن تفتح كنيسة القيامة وأبواب المسجد الأقصى، وكنا أيضًا ننادى بالعدالة والحرية لشعبنا.. ننادى بأن تزول الأسوار والحواجز العسكرية التى تمنع الإنسان الفلسطينى من الوصول إلى مدينته المقدسة..

 لقد كان ردكم على إساءات انتنياهوب واليمين المتطرف لشخص السيد المسيح بمثابة بيان كرامة روحى تجاوز حدود الكلمة.. فهل نحن أمام اصلب رمزىب للقيم المسيحية فى مهدها بأيدى من يدعون حماية االإرث المشتركب؟ وكيف تفسرون هذا الصمت الكنسى والسياسى فى الغرب.. هل هو انحناء أمام موازين القوى، أم أنه إعلان نهائى عن سقوط االأخلاق الدوليةب فى اختبار القدس؟

- هناك رجال دين مسيحيون فى فلسطين وفى العالم الذين انتقدوا نتنياهو على إساءته، ولكن المستغرب أنه لم تصدر مواقف رسمية من قبل مرجعيات كنسية، لا أعرف لماذا؟!. أنا أضع علامة استفهام كبيرة جدًا: لماذا لم يتم الرد على إساءات نتنياهو من قبل مرجعيات مسيحية دينية فى هذا العالم؟ هل هناك ضغوطات؟ هل هناك خوف؟ هل هناك تردد؟ هل هناك سياسات معينة؟ لا يمكننى أن أبرر أو أفسر لماذا هذا الصمت.. طبعًا نحن نشكر كل من انتقد، وكل من تحفظ، وكل من عبر عن موقفه تجاه هذه الإساءات التى نعتبرها فى غاية الخطورة.. إساءات نتنياهو خطيرة.. ولكن حالة الصمت التى شهدناها أخطر، هى تدل على أننا نعيش أزمة يجب أن تعالج، لا يمكن للمسيحى الحقيقى أن يكون صامتًا أمام المظالم المرتكبة فى حق الشعب الفلسطيني.. ولا يمكن أن يكون صامتًا أمام أى إساءات تتعرض لها العقيدة المسيحية والإيمان المسيحى.

 فى ظل صعود المشاريع الاقتصادية العابرة للحدود.. كيف نمنع تحويل القدس إلى مجرد محطة ترانزيت فى شرق أوسط جديد مفرغ من هويته التاريخية؟ وهل الرهان القادم هو على اتحالف روحى شرقىب يكسر احتكار الغرب لتمثيل قيم الإنسانية؟

القدس كانت وستظل بوصلة، هناك من انحرفت بوصلتهم، ولكن البوصلة الحقيقية لا يمكن إلا أن تكون نحو القدس، بوصلة العرب وبوصلة المسيحيين والمسلمين وحتى اليهود غير المتصهينين، هناك يهود فى هذا العالم لا يتبنون الفكر الصهيونى ولا يتبنون العنصرية الصهيونية.. نحن حقيقة لسنا من أولئك الذين يعممون، مواضع الكراهية والعنصرية موجودة فى كل مكان، ولكن فى المقابل هناك متحضرون ومتسامحون وأناس يتحلون بالقيم الإنسانية والأخلاقية الرفيعة والنبيلة.. القدس بوصلة لكل إنسان حر.. لكل إنسان مؤمن.. وهى بوصلة العرب والفلسطينيين، لا يمكننا أن نتحدث عن فلسطين بدون القدس، ولا يمكننا أن نتحدث عن القدس بدون فلسطين.

 إذا وضعنا خريطة المنطقة بعد عقد من الآن: هل ترون القدس عاصمة روحية مفتوحة أم بؤرة لصراع حضارى كفيل بإعادة رسم القارات بأكملها؟

- مهما كثرت المؤامرات والمشاريع الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية والهادفة لسرقة القدس من أهلها ومؤمنيها.. القدس ستبقى القدس، وفلسطين ستبقى فلسطين، والقدس ستبقى عاصمة روحية ووطنية للشعب الفلسطينى.. ومدينة مقدسة فى الديانات التوحيدية الثلاث. اليوم تغدق الأموال بغزارة من أجل المستوطنات وتزوير تاريخ القدس، ولكن هذا كله مآله الفشل، القدس لا يمكن لأى مشاريع استعمارية أو احتلالية أن تنال من هويتها وتاريخها وعراقتها.. ما هو مطلوب من العرب هو أن يدافعوا عن القدس، ما هو مطلوب من الأحرار فى العالم أن يدافعوا عن القدس، وأن يدافعوا عن الشعب الفلسطيني، وأن يكونوا إلى جانب شعبنا، خاصة مع ما نشهده من حرب إبادة فى غزة خلفت دمارًا ومآسى كبيرة، وكذلك أيضًا الضفة الغربية والقدس كذلك مستهدفة بمقدساتها وإنسانها.

اقرأ  أيضا: الكنائس الشرقية في بيت لحم تحتفل بأحد الشعانين