محمد سليم شوشة
ما نراه الآن من معركة شرسة فى إيران هى بالأساس جزء من صراع أمريكا والصين وحرب التفوق والتحول الجذرى فى القوى الجديدة التى تهيمن فى العالم.
بعض القضايا يجب ألا نكون فى حرج من تكرار التنبيه لها والحديث عنها، يجب ألا نملّ تكرار الحديث عن كل ما يمس الأمن القومى أو يتصل به أو أصبح جوهرياً فيه ويتصل بأركانه وأسسه ودعائمه، فقد صار الذكاء الاصطناعى ركناً أساسياً فى أركان الأمن القومى للدول وليس مجرد رفاهية لأنه سباق للأمم نحو نقطة تفرد لا يمكن التنازل عنها أو التخلى عن امتيازاتها.
الذكاء الاصطناعى الذى يهيمن على قطاعات الحياة كلها دون استثناء تقريباً أصبح فارقاً بقوة فى تحديد تفوق الأمم فى كافة المجالات، بداية من الاكتشافات العلمية وعلوم الطبيعة والمعادلات الرياضية وصولاً إلى العلوم الإنسانية واللغات والنصوص الأدبية.
ما نراه الآن من معركة شرسة فى إيران هى بالأساس جزء من صراع أمريكا والصين وحرب التفوق والتحول الجذرى فى القوى الجديدة التى تهيمن فى العالم، الواقع أن هناك تفوقاً كبيراً فى الصين تجلت ملامحه بقوة بداية من مطلع القرن الحادى والعشرين، والحقيقة أن التفوق الصينى وإن لم يكن فى بدايته قائماً على الذكاء الاصطناعى وركز على الصناعة والتكنولوجيا والزراعة أو محاور الإنتاج عموماً، فهو لم يكتمل ويتأكد بالصورة التى هى عليه الآن وبلغ ذروته وبخاصة فى الجوانب العسكرية إلا بالاعتماد على ثورة الذكاء الاصطناعى التى سابقوا فيها أمريكا ونقلوا عنها كل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى وأسسه سواء المادية أو النظرية (التشغيلية)، فالذكاء الاصطناعى تكنولوجيا مُركبة لها بعدان، أحدهما مادى (هاردوير) والثانى سوفت أو إنسانى يقوم فى جوهره على تمثيل المعرفة واستخلاص أنماطها وإكسابها للشبكات العصبية الاصطناعية عبر التعلم العميق deep learning وتعلم الآلة machine learning، ومعالجة اللغات الطبيعية بعمق بما يعزز من عمليات التفكير لدى الآلة، أى تصبح نماذج الذكاء الاصطناعى قادرة على التفكير بأعلى مستوى من العمق والإبداع والابتكار، وتكون قادرة على الوصول لأفكار لا يصل إليها البشر.
لقد كانت تجربة الصين فى سباق الذكاء الاصطناعى ونقل علومه من أمريكا فى مطلع القرن الحادى والعشرين وبخاصة من بعد العام 2003 حين تأكدوا تماماً من جدوى نتائج هذا الحقل وأنه هو الذى سيصنع الفارق ويحدد مستقبل الأمم، واتسمت خطة الصينيين على نقل هذه التكنولوجيا على مسارات معالجة الآلة لرموز اللغات الطبيعية، وهو ما أخذ المسار ذاته من معالجة العقل البشرى لرموز اللغات الطبيعية من الحروف المكتوبة أو الأصوات المنطوقة فى كل مستويات بناء اللغة من الصوتى والصرفى والتركيبى والدلالى وصولاً إلى مستويات المجاز والاستعارات والتشكيل الجمالى وبنية الخطاب السردى أو الشعريات، واستضافت الصين أبرز علماء اللسانيات الإدراكية من مدرسة تشومسكى مثل جيلس فوكنر وجورج ليكوف ومارك جونسون وغيرهم، ويمكن مشاهدة محاضرات هؤلاء العلماء الأمريكان فى الصين على اليوتيوب مُؤرخة بهذه الفترة التى نشير إليها.
الطريف أنه فى حوار لوزيرة الخارجية الأمريكية مع السفير الصينى فى الولايات المتحدة اتهمت أمريكا الصين بأنها سطت على أبحاثهم حول الذكاء الاصطناعى وأنهم باستيلائهم على هذه التكنولوجيا والأسس المعرفية حققوا ما هم عليه الآن من التقدم.
صحيح أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى بدأت فى أمريكا فى الـ MIT لكن الصين الآن صارت قوة كبيرة فى هذا المجال وأصبحت قادرة على حل مشاكل كثيرة خاصة بالإنتاج والطاقة عبر التفكير الشمولى الذى يوفره الذكاء الاصطناعي، فمستويات التفكير غير التقليدى أو الابتكارى غير مسبوقة فى ظل قدرة هذه النماذج لعقل الآلة على معالجة كميات ضخمة من البيانات فى المعالجة الواحدة، أى أنه فى تصديه لمشكلة واحدة ولنقل مثلاً تحلية المياه يصبح قادراً على معالجة كم مهول من البيانات التى تجعله يصل إلى أفضل الاستراتيجيات ويضع أنجع الخطط فى هذا المجال رابطاً بين البعد الإنتاجى والطاقة والأيدى العاملة والصيانة بالأبعاد البيئية والتكلفة والجوانب الاقتصادية وغيرها، مما يمكن للبشر أن يعجزوا عنه أو التفكير فيه وأخذه كله فى الحسبان من المعلومات حول الموضوع نفسه أو القضية الواحدة محل المعالجة.
وهكذا يمكن القول بأن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى التى بدأت فى أمريكا لم تعد مقصورة عليها، مثلما كان الأمر فى سباق القنبلة النووية بين ألمانيا وأمريكا فى مطلع القرن العشرين وصولاً إلى الحرب العالمية وقنبلة أوبنهايمر، فالعبرة ليست بمنشأ التكنولوجيا ولكن بسباق التفوق فيها، وهنا يجب أن نسأل أنفسنا عن موقعنا فى هذا السباق وكيف يمكن اختزال الطريق فيه وخاصة أنه ليس محرماً مثلما هو التسلح النووى.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







