فى الصميم

إنقاذ الطيار.. وانفجار المنطقة!!

جلال عارف
جلال عارف


نجحت الولايات المتحدة فى الوصول للطيار المفقود قبل أن تصل إليه إيران وتفادت ضربة كانت ستكون مؤلمة لو وقع الطيار الأمريكى فى الأسر فى هذا التوقيت الدقيق. كان طبيعيًا أن تحشد أمريكا كل قدراتها لإنقاذ الضابط المفقود، وكان طبيعيًا أن يصف الرئيس ترامب العملية التى شارك فيها المئات من أفراد القوات الخاصة وعشرات الطائرات الحربية والمروحيات بأنها «واحدة من أكثر عمليات البحث والإنقاذ جرأة فى تاريخ الولايات المتحدة»!!
وعلى الجانب الآخر كانت إيران تركز على الجانب السلبى فى العملية وتشدد على أنها أضافت لخسائر أمريكا أربع طائرات من بينها طائرتان لنقل الجنود ومروحيتان وعدد من الإصابات تضاف لخسائر الضربة الأولى حيث تم إسقاط طائرة «إف ١٥» وطائرة حربية أخرى وأصيب عدد من المروحيات. تناقض الروايتين (الأمريكية والإيرانية) لا يخفى الحقيقة وهى أن التفوق الجوى يعمل لصالح أمريكا ولو بخسائر كبيرة أحيانًا، وأن المقاومة الإيرانية حاضرة على الأرض بقوة، وأن الاحتفاء الأمريكى بعملية الإنقاذ يعنى أنها لم تكن سهلة، وأن خسارة طائرتين مقاتلتين متطورتين وطائرتين لنقل الجنود وعدة مروحيات فى يومين ليست خسارة بسيطة!!
هل يكون ما حدث فى هذين اليومين تأكيدًا على أن التصعيد هو مسار إجبارى فى هذا الصراع.. أم أن ذلك قد يكون دافعًا لمراجعة المواقف وإعادة الحسابات قبل اكتمال الكارثة؟!.. رغم التصعيد المتبادل وتناقض الروايتين (الإيرانية والأمريكية) فإننا أمام لحظة تعتبرها واشنطن لحظة فخر بانتصار عظيم، وتعتبرها طهران لحظة نجاح فى تحدى التفوق الأمريكى وإلحاق أكبر الخسائر به.. وحين يحدث ذلك قبل يوم أو اثنين من انتهاء الأمريكيين ومع تهديد ترامب بما يسميه «الجحيم» إذا لم توافق إيران على شروطه، فإن الدعوة للتهدئة ووقف التصعيد تصبح أكثر من ضرورية، والتعامل الجاد معها من طرفى الصراع يصبح أساسيًا لتفادى الاستمرار فى حرب يخسر فيها الجميع ولا يربح إلا تجار الموت والإرهاب الصهيونى.
التحرك المصرى فى الاتجاه الصحيح يتواصل.. وزير الخارجية بدر عبدالعاطى يجرى بالأمس اتصالات مكثفة مع طرفى الصراع (الأمريكى والإيرانى) ومع الأشقاء فى دول الخليج وفى تركيا وباكستان، ومع مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية، والرسالة واضحة بضرورة التهدئة ووقف التصعيد الذى ينبئ بالانزلاق إلى انفجار غير مسبوق فى المنطقة، ولا بديل عن استئناف التفاوض من أجل حل سياسى يعرف الجميع أنه ممكن ومتاح إذا توافرت الإرادة وانتصر العقل.
ربما تكون لحظة «إنقاذ» الطيار الأمريكى لحظة مناسبة لإدراك أن التصعيد ثمنه فادح، وأن إنقاذ المنطقة (وليس تدميرها) هو المهمة الأساسية التى ينبغى أن يتركز عليها الجهد السياسى لكل القوى الأساسية فى المنطقة التى تواجه التهديد بالعودة إلى «العصر الحجرى»!!.. فلنأمل أن ينتصر العقل، وأن يتوقف التصعيد قبل الانفجار الكارثى.