سميحة شتا
منذ تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يعد الصراع يُدار وفق أنماط تقليدية قائمة على جبهات واضحة، بل انتقل إلى نموذج «وحدة الساحات»، حيث تتوزع الجغرافيا العسكرية على مساحات متعددة، ويُعاد توزيع الضغط عبر وكلاء وأدوات غير مباشرة.
فى هذا السياق، برز العراق بوصفه إحدى أكثر هذه الساحات حساسية وتعقيدًا، ليس فقط لكونه مجالًا حيويًا ضمن الاستراتيجية الإيرانية، بل لأنه أيضًا يمثل نقطة تقاطع مباشرة مع الوجود الأمريكى، ما يجعله مسرحًا مفتوحًا لتفاعلات عسكرية وسياسية متداخلة.
اقرأ أيضًا| أمريكا تعتقل اثنتين من أقارب قاسم سليماني وتلغي إقامتهما في الولايات المتحدة
يعكس مفهوم «وحدة الساحات» تحوّلًا فى العقيدة الإيرانية من إدارة الصراع عبر جبهات منفصلة إلى ربطها ضمن منظومة متكاملة، بحيث يصبح أى تصعيد فى غزة أو لبنان أو حتى فى الخليج قابلًا للانعكاس فى العراق.
وضمن هذا التصور، تلعب الفصائل المسلحة العراقية، وعلى رأسها قوى منضوية فى الحشد الشعبى، دورًا محوريًا بوصفها جزءًا من شبكة ردع غير مباشر، تُستخدم لتوسيع نطاق الاشتباك دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة، أن هذه الفصائل لم تعد تتحرك فقط ضمن أدوار تكتيكية، بل باتت تمارس وظائف استراتيجية تتعلق بإعادة تعريف قواعد الاشتباك داخل العراق نفسه.
الهجمات التى استهدفت قواعد ومصالح أمريكية فى العراق، بما فى ذلك محيط مطار بغداد الدولى وقاعدة الحرير فى أربيل، لم تكن مجرد عمليات معزولة، بل جاءت ضمن نمط متكرر يعكس محاولة مستمرة لاستنزاف الوجود الأمريكى وإعادة ضبط كلفته.
فى المقابل، ردت واشنطن بضربات دقيقة استهدفت مواقع قيادية ولوجستية للفصائل، فى نينوى والأنبار ومحيط بغداد، فى تحول وصفته تحليلات بأنه انتقال من سياسة «الاحتواء» إلى «إعادة الضبط»، أى محاولة تفكيك بنية الفصائل وليس فقط ردعها.
هذا التفاعل العسكرى المتبادل لم يبقَ فى إطاره الخارجى، بل انعكس بشكل مباشر على الداخل العراقى، حيث بدأت تتبلور ملامح صراع بين الدولة والفصائل المسلحة.
فالحكومة العراقية، التى تحاول رسميًا النأى بالبلاد عن الانخراط فى الحرب، تجد نفسها فى موقف معقد بين ضغوط أمريكية تطالب بضبط الفصائل، وضغوط داخلية تفرضها قوى مسلحة ترى نفسها جزءًا من معركة إقليمية أوسع.
وقد عبّر رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان عن هذا التوتر بوضوح، محذرًا من أن انفراد الفصائل بقرار الحرب والسلم يمثل تهديدًا مباشرًا لسيادة الدولة وتقويضًا للنظام الدستورى، كما نقلت «اندبندنت عربية».
فى المقابل، ترفض بعض الفصائل هذا الطرح، وتؤكد أن تحركاتها تأتى فى إطار «الدفاع عن السيادة» ومواجهة الوجود الأمريكى، وهو ما عبّر عنه مسئول أمنى فى كتائب حزب الله بقوله إن «الدفاع لا يحتاج إلى موافقة»، فى إشارة واضحة إلى وجود تصور موازٍ لمفهوم الشرعية خارج إطار الدولة هذا التباين يعكس إشكالية بنيوية فى النظام الأمنى العراقى، حيث تتعدد مراكز القرار وتتداخل الولاءات، ما يجعل من الصعب رسم حدود واضحة بين ما هو رسمى وما هو غير رسمى.
على المستوى الاستراتيجى، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقليص قدرة إيران على استخدام العراق كساحة ضغط، عبر استهداف البنية التنظيمية للفصائل ورفع كلفة نشاطها، فى حين تحاول إيران الحفاظ على هذه الساحة ضمن منظومة «توزيع الضغط» التى تعتمدها، وإن كان ذلك مع إعادة معايرة تكتيكية نتيجة تزايد الانكشاف الأمنى. وتشير تقارير وتحليلات إلى أن الضربات الأمريكية الأخيرة، التى وصلت إلى عمق بغداد، تحمل رسالة واضحة بأن «المناطق الآمنة» لم تعد قائمة، وأن قواعد الاشتباك فى طور إعادة التشكل.
فى ظل هذه المعطيات، يقف العراق أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول هو استمرار «التصعيد المنضبط»، حيث تبقى العمليات ضمن حدود معينة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، الثانى هو «التصعيد التدريجى»، نتيجة تراكم الضربات والضغوط، أما الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل فى «الانفلات غير المقصود»، حيث يؤدى خطأ فى التقدير أو حادثة نوعية إلى تفجير الوضع بشكل خارج عن السيطرة. وتشير المؤشرات الحالية، من تصاعد الاستهدافات وتوتر العلاقة بين الفصائل والدولة، إلى أن البيئة الأمنية أصبحت أكثر قابلية للانزلاق نحو هذا السيناريو الأخير.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







