تغليف عمليات القتل العمد بنصوص قانونية تمنحه شرعية زائفة، وتحويل الاعتداءات والانتهاكات والقتل والعنف وكافة جرائم الاحتلال الصهيونى إلى تشريعاتٍ رسمية جريمة نكراء، كما حدث مع إقرار الكنيست الإسرائيلى لقانون يتيح فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، فهذا لا يُعد إجراءً تشريعياً عادياً، بل إعلان صريح عن خرق القانون الدولى بكل قوة.
وإذا ما نظرنا إلى التوراة كدين يهودى سماوى، بوصفه مرجعاً أخلاقياً وتاريخياً، تم إرساء قواعد واضحة فى التعامل مع الأسرى، ورغم وجود نصوص تتناول الحروب، فإن المبدأ العام يظل «لا تقتل»، مع دعوة نبى الله موسى عليه السلام إلى عرض السلام قبل القتال، والنهى عن القسوة المُفرطة، كما حملت التعاليم دعواتٍ صريحة للإحسان إلى الأسرى، وإطعامهم وإعادتهم إلى ذويهم، بما يعكس روحاً أخلاقية وتشريعاً سماوياً ينهى عن منطق الانتقام.
أما نصوص القانون الدولى، فتُعد اتفاقيات جنيف حجر الأساس فى حماية الأسرى، فقد نصت اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 على قيود صارمة تحظر اتخاذ أى إجراءاتٍ انتقامية ضد أسرى الحرب، وجاءت المادة (13) لتتحدث عن ضرورة المعاملة الإنسانية، وتحظر أى فعل يؤدى إلى وفاة الأسير، كما جاءت المادة (100) لتضع قيوداً مشددة على عقوبة الإعدام، بحيث لا يجوز تنفيذها إلا بشروط مُعقدة، من بينها: موافقة الدولة التى يتبعها الأسير، وهو ما يُسقِط أى تشريع أحادى الجانب يصدر عن سلطة الاحتلال.
أما اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولات الإضافية لعام 1977، فقد وسعت نطاق الحماية ليشمل المدنيين والمُعتقلين فى الأراضى المحتلة، بل واعتبرت أن حركات التحرر الوطنى ضد الاحتلال تندرج ضمن النزاعات التى يتمتع فيها المقاتلون بوضع قانونى خاص، بما يمنح الأسرى الفلسطينيين حماية إضافية من الملاحقة الجنائية التى تستهدف حياتهم.
ولا يقف الأمر عند حدود القانون الإنسانى الدولى، بل يمتد إلى منظومة حقوق الإنسان، حيث يكفل العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق فى الحياة بوصفه حقًا أصيلًا لا يجوز المساس به، مع ضماناتٍ صارمة للمحاكمة العادلة.
إن خطورة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لا تكمن فقط فى كونه انتهاكًا للقانون الدولى، بل فى كونه يُؤسس لسابقة خطيرة، وهى تحويل الجريمة إلى نص قانوني، فحين تُشرعن الدولة القتل، فإنها لا تكتفى بممارسته، بل تمنحه غطاءً رسميًا يهدد المنظومة القانونية الدولية بأكملها، وهو ما يضع هذه التشريعات تحت طائلة القانون الجنائى الدولى، باعتبارها قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
القانون الذى طرحه وزراء فى الحكومة الإسرائيلية، من بينهم: إيتمار بن غفير، وأقره الكنيست، يسمح بفرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين على خلفية «قومية»، وهو توصيف يكشف بوضوح الطابع التمييزى للتشريع، فالقانون لا يُطبق على المستوطنين فى حال ارتكابهم جرائم مماثلة، مما يجعله أقرب إلى أداة للفصل العنصرى منه إلى نص قانونى عادل، كما يخالف هذا التشريع قاعدة راسخة فى القانون الدولى، وهى حظر قيام سلطة الاحتلال بتغيير البنية القانونية فى الأراضى المحتلة بما يضر بالسكان الأصليين، خاصة إذا كان التغيير يمسّ الحق فى الحياة.
ويبقى السؤال الأهم: إلى متى يظل المجتمع الدولى يكتفى ببيانات الإدانة والتنديد؟ ومتى تتحول هذه المواقف إلى إجراءاتٍ حقيقية من مساءلة ومحاسبة؟ إن استمرار الصمت أو الاكتفاء بردود فعل دبلوماسية باهتة، لا يعنى فقط التخلى عن الضحايا، بل يفتح الباب أمام تقويض منظومة القانون الدولى نفسها.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







