أما بعد

الشمس تنقذ مصر

أحمد باشا
أحمد باشا


حيث نعيش لحظة دولية مضطربة، تتشابك فيها خيوط السياسة بالنفط، وتُقاس حرارة الصراعات بدرجة اشتعال أسواق الطاقة، تبرز أزمة الطاقة العالمية بوصفها الوجه الأكثر صراحة للحرب المشتعلة فى الشرق الأوسط. فمع كل صاروخ يُطلق، ترتجف خطوط الإمداد، ومع كل توتر جيوسياسى، تقفز الأسعار كأنها تستبق المجهول، لتُعلن - دون مواربة - أن عصر الطاقة الرخيصة قد لفظ أنفاسه الأخيرة.

لم تعد المسألة مجرد تقلبات فى السوق، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة الدول على التكيّف مع واقع جديد، عنوانه «الطاقة سلعة نادرة». وأصبح أمن الطاقة جزءًا من الأمن القومى. وفى هذا السياق، وجدت مصر نفسها فى قلب العاصفة، لا بوصفها طرفًا فى الصراع، بل باعتبارها دولة نامية تعتمد جزئيًا على استيراد الوقود، وتواجه فاتورة طاقة تتضخم بوتيرة أسرع من قدرة الموازنات على الاحتمال.

الإجراءات التى اتخذتها الحكومة المصرية مؤخرًا من ترشيد استهلاك الكهرباء، وإغلاق المحال فى مواعيد مبكرة، وخفض إنارة الشوارع، وتوسيع نطاق العمل عن بُعد ليست مجرد قرارات إدارية عابرة، بل تعكس إدراكًا عميقًا بأننا أمام لحظة مفصلية، تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والطاقة. إنها قرارات قد تبدو قاسية فى ظاهرها، لكنها فى جوهرها محاولة لتفادى ما هو أشد قسوة.

انقطاع الإمدادات أو انفلات الأسعار.
غير أن الأزمة، فى وجهها الآخر، تحمل فرصة تاريخية. فحين تضيق خيارات الوقود الأحفورى، تتسع آفاق البدائل.

ومصر، بحكم موقعها الجغرافى، ليست مجرد متلقٍ لهذه التحولات، بل مرشحة لتكون أحد صُناعها. فى بلد لا تغيب عنه الشمس، وتداعب رياحه سواحل البحرين الأحمر والمتوسط، يصبح الحديث عن الطاقة المتجددة ليس رفاهية بيئية، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية.

إن تحويل أعمدة إنارة الشوارع إلى العمل بالطاقة الشمسية، وربط المنازل والمدن الجديدة بالشبكات الذكية، والتوسع فى استخدام الطاقة النظيفة داخل المصانع والأنشطة التجارية والسياحية، لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل مشروع وطنى عاجل. فكل كيلووات يتم إنتاجه من الشمس أو الرياح، هو خطوة نحو تقليص فاتورة الاستيراد، وتخفيف الضغط على العملة الصعبة، وتعزيز استقلال القرار الاقتصادى.

لقد خطت مصر بالفعل خطوات معتبرة فى هذا المسار، عبر مشروعات كبرى للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خاصة فى مناطق الصعيد وسواحل البحر الأحمر، حيث تتوافر أفضل الظروف الطبيعية لهذه الصناعات. لكن التحدى الحقيقى لم يعد فى إنشاء المشروعات فحسب، بل فى تعميم التجربة، وتوطين التكنولوجيا، وملاحقة التطور المتسارع فى هذا القطاع عالميًا..

الأزمة الحالية، بكل ما تحمله من ضغوط، تفرض علينا مراجعة شاملة للبنية التحتية للطاقة والكهرباء، ليس فقط من حيث الإنتاج، بل أيضًا من حيث أنماط الاستهلاك وكفاءة الاستخدام. فالدولة التى تُحسن إدارة مواردها، وتستثمر فى المستقبل بدلًا من الارتهان للماضى، هى وحدها القادرة على عبور العواصف. لقد علمتنا هذه اللحظة أن النفط، مهما بدا وفيرًا، يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط، وأن الغاز، مهما تدفقت إمداداته، قد يخضع لحسابات السياسة قبل الاقتصاد. أما الشمس، فلا تخضع إلا لقانون الطبيعة، ولا ترسل فواتيرها لأحد. وفى هذا الإدراك، ربما يكمن مفتاح النجاة.