قلب مفتوح

فيتنام جديدة

هشام عطية
هشام عطية


أينما تولى وجهك هذه الأيام، تحاصرك التساؤلات التى يكسوها الخوف والقلق، متى تضع الحرب المدمرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل أوزارها؟

الحقيقة المؤكدة أن معظم نظريات العلوم السياسية واستراتيجيات العلاقات الدولية تقف عاجزة عن فك طلاسم هذا المشهد المعقد، خاصة فى ظل حالة التخبط التى تتسم بها سياسات وتصريحات الرئيس ترامب، والتى تناقض نفسها فى لمح البصر، وتفوق تقلباتها عواصف المناخ واضطرابات الطقس المزعجة هذه الأيام. ولا سبيل للاقتراب من إجابة إلا بالعودة إلى التاريخ  متحف البشرية الذى يحفظ ذاكرة الصراعات الكبرى، ويمنحنا مفاتيح فهم الحاضر واستشراف المستقبل.

من حروب فيتنام إلى الصومال مرورا بأفغانستان والعراق، يتكرر السيناريو ذاته، تفوق عسكرى كاسح للأمريكان يعجز عن التحول إلى إنجاز سياسى مستدام. والسبب لا يكمن فى ضعف القوة، بل فى خلل الرؤية.

أول هذه الاختلالات هو غياب «استراتيجية الخروج»، والخلط بين الهدف العسكرى وهو إسقاط الأنظمة والهدف السياسى الأكثر تعقيدا، وهو بناء أنظمة موالية. هذا التناقض يفرض احتلالا طويلا بتكلفة باهظة، يحول الانتصار السريع إلى مستنقع استنزاف.

يضاف إلى ذلك الاعتماد على حلفاء بلا شرعية شعبية، وتفكيك الجيوش الوطنية، بما يخلق فراغا تملؤه الميليشيات، فتتحول البلاد إلى ساحة فوضى مفتوحة. كما تلعب المصالح الاقتصادية لشركات تصنيع السلاح دورا خفيا، إذ تصبح الحروب ذاتها موردا مربحا، ما يعقد مسارات إنهائها. ويبقى العامل الحاسم هو الداخل الأمريكي، حيث لا يحتمل الرأى العام مشهد التوابيت العائدة، فيتحول الضغط الشعبى إلى قوة تدفع صناع القرار نحو الانسحاب، حتى دون تحقيق نصر حاسم.

فى هذا السياق، تبدو إيران خصما صعبا ومختلفا، فالحرب معها ليست غزوا تقليديا، بل استنزاف متعدد الأبعاد، جغرافيا معقدة، مجتمع متماسك، أيديولوجيا قادرة على تحويل العقوبات إلى طاقة صمود، ودعم دولى يحد من العزلة. وفى هذا الاطار فأن أى تصعيد واسع فى هذه الحرب، خاصة عبر استمرار الهجمات الإسرائيلية على منشآت إيران النووية، قد يفتح أبواب مواجهة شاملة، لا تنتهى بحسم سريع، بل بانفجار عسكرى واقتصادى عالمي.

كل المؤشرات توحى بأن واشنطن تقف أمام معضلة تتكرر دائما فى تاريخها، قوة نارية هائلة بلا أفق سياسى واضح. ومع تراكم الضغوط الاقتصادية وتصاعد المنافسة مع الصين، يصبح استمرار هذا المسار عبئا استراتيجيا لا يمكن تحمله طويلا.

يبدو السؤال الحقيقى الآن ليس متى تنتهى الحرب، بل كيف ستخرج منها الولايات المتحدة؟. التاريخ يهمس بإجابة صادمة فحين تعجز القوة عن فرض إرادتها، يبدأ العد التنازلى للهزيمة. وما يحدث اليوم يقود إلى حقيقة أن واشنطن تقترب من سيناريو فيتنامى جديد على أرض إيران، ومن فصل جديد فى سجل انكساراتها العسكرية.