قصة غلاف| «فورين بوليسي»: ثلاثة سيناريوهات لعالم ما بعد دونالد ترامب

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب


طرحت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، في عددها المطبوع لربيع 2026، رؤية تحليلية موسعة تحت عنوان “العالم بعد ترامب”، ورصدت التحولات العميقة التي تشهدها السياسة الدولية مع تغير دور الولايات المتحدة في النظام العالمي خلال السنوات الأخيرة.

وأشارت المجلة، إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة تتسم بعدم الاستقرار، بعد أن أعادت واشنطن صياغة سياساتها الخارجية بشكل جذري، سواء في ما يتعلق بالتدخلات العسكرية أو التحالفات التقليدية أو حتى قواعد التجارة الدولية، في تحول تعتبره تحليلات المجلة “جيلًا جديدًا من السياسة الأمريكية” التي لم تعد تتقيد بالمفاهيم التقليدية للنظام العالمي.


الولايات المتحدة وإعادة تشكيل قواعد اللعبة

أفادت المجلة أن قادة الولايات المتحدة باتوا يتعاملون مع القوة الأمريكية باعتبارها أقل التزامًا بالقيود الدولية والمحلية عند اتخاذ قرارات تتعلق بالحرب أو الإطاحة بالأنظمة السياسية، إلى جانب تراجع واضح في الالتزام بالدفاع عن الحلفاء التقليديين، خصوصًا في أوروبا.

كما تشير الرؤية إلى تحول في النظرة الأمريكية لـ التجارة العالمية، حيث لم تعد تُعامل كمنفعة مشتركة، بل كساحة تنافسية تقوم على “الفوز والخسارة”، وهو ما يعكس تغيرًا جوهريًا في فلسفة واشنطن تجاه النظام الاقتصادي الدولي.


سيناريوهات المستقبل.. ثلاث خرائط للعالم القادم

قدم الباحث الاستراتيجي هال براندز (Hal Brands) ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل النظام الدولي، موضحًا أن العالم يقف عند مفترق طرق حاسم.

١. حرب باردة جديدة: حيث ينقسم العالم إلى معسكرين تقودهما الولايات المتحدة والصين، ويُجبر باقي الدول على الاصطفاف بينهما.

٢. عالم النفوذ الإقليمي: تتحول فيه القوى الكبرى إلى مناطق نفوذ متصارعة، تعيد إنتاج منطق “الإمبراطوريات الحديثة” في تنافس دائم على الأرض والموارد.

٣. عالم الفوضى والاعتماد على الذات: سيناريو أكثر خطورة، تنهار فيه المنظومة الدولية تدريجيًا، وتتحول فيه العلاقات بين الدول إلى منطق القوة المباشرة دون قواعد واضحة.

وأشار براندز، إلى أن ملامح السيناريوهات الثلاثة تظهر بالفعل في الواقع الحالي، محذرًا من أن الاتجاه القادم سيتحدد وفقًا لاختيارات واشنطن في السنوات المقبلة.


انقسام جديد بين الطاقة والتكنولوجيا

أفاد المؤرخ نيلز جيلمان (Nils Gilman) أن العالم لا يتحرك فقط وفق صراعات أيديولوجية تقليدية، ولكن أيضًا وفق انقسام جديد قائم على الاقتصاد والطاقة.

وأوضح أن النظام العالمي بات ينقسم عمليًا إلى:

◄ دول تعتمد على النفط والوقود الأحفوري مثل الولايات المتحدة وروسيا ودول الخليج

◄ مقابل دول تقودها الصين تراهن على التكنولوجيا النظيفة مثل الطاقة الشمسية والبطاريات

ويشير هذا التحول إلى أن الصراع لم يعد سياسيًا فقط، وإنما أصبح صراعًا على شكل الاقتصاد العالمي نفسه.


القوى المتوسطة.. من الهامش إلى التأثير

أبرز الباحث سارانج شيدور (Sarang Shidore)، أن ما يُعرف بـ”القوى المتوسطة” مثل البرازيل والهند وجنوب أفريقيا بدأت تكتسب مساحة أكبر في النظام الدولي، نتيجة تراجع القدرة الكاملة للقوى العظمى على فرض هيمنتها.

وتشير التحليلات ــ بحسب المجلة الأمريكية ــ إلى أن هذه الدول تحاول التحرك بشكل مستقل نسبيًا، مستفيدة من التنافس بين القوى الكبرى، مع احتمالات متزايدة لتشكيل تكتل ثالث قادر على التأثير في قرارات النظام العالمي.


مستقبل التحالف عبر الأطلسي

تتناول الكاتبة إيما آشفورد (Emma Ashford) مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، مشيرة إلى أن التحالف عبر الأطلسي لم يعد ثابتًا كما كان في العقود الماضية.

وتطرح رؤية تقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الطرفين باعتبارها شراكة أكثر توازنًا، بدل نموذج التبعية التقليدي، بما يسمح لكل طرف بتحقيق مصالحه دون الاعتماد الكامل على الآخر.

 

السياسة الخارجية الأمريكية.. «رؤية بديلة قيد التشكل»

طرحت الكاتبة سوزان نوسيل (Suzanne Nossel) تصورًا لما يمكن أن تكون عليه السياسة الخارجية الأمريكية مستقبلًا، يقوم على ما يُعرف بـ”أجندة الوفرة”، والتي تركز على الداخل الأمريكي أكثر من إدارة العالم.

وتقوم هذه الرؤية على:

◄ تعزيز القوة الاقتصادية الأمريكية داخليًا

◄ تأمين سلاسل المعادن الحيوية

◄ دعم الابتكار الصناعي والتكنولوجي

◄ إعادة إحياء التحالفات ولكن بشكل أكثر براغماتية

وتحليلًا لما سبق، تجمع هذه الرؤى في العدد على عدم وجود مسار واحد واضح لمستقبل النظام العالمي، لكن.. «عدة احتمالات متنافسة»، ما يعكس أن العالم لم يعد ينتقل بين نظام قديم وجديد، وأشارت المجلة إلى أن المرحلة الحالية قد لا تكون انتقالًا مؤقتًا، وقد تمثل “الوضع الطبيعي الجديد” لعالم أكثر فوضوية وتعددية في مراكز القوة.