مرفت عمر تكتب: سفاح التجمع.. ضجيج يفتقر الإبداع

مرفت عمر
مرفت عمر


اعترافات سفاح التجمع واحدا من افلام موسم عيد الفطر الماضي، الذي يُفترض أن يكون موسمًا للبهجة والكوميديا والتجمعات العائلية في دور العرض السينمائي، كان مقررا ان يغرد متفردا بأجواء الغموض والجريمة وهو نوع مفضل لشريحة كبيرة من رواد السينما، خاصة وأنه صاحبه ضجة كبيرة كانت كفيلة بزيادة الرغبة في مشاهدته واللهث وراء لينكات لعرضه عقب سحبه من السينمات بعد ساعات قليلة من بداية عرضه، كتب الفيلم محمد صلاح العزب، وأخرجه بناءً على قصة حقيقية صادمة عن "مهووس دماء" يتلذذ بقتل النساء ومعاشرتهن بعد موتهن، لكن، هل نجح الفيلم في ترجمة هذه الجرائم الواقعية إلى عمل سينمائي مؤثر؟ الإجابة المؤلمة لا. الفيلم يعاني من مشاكل هيكلية عميقة تجعله أقرب إلى تجربة مجتزأة غير مترابطة، تفشل في استغلال نجومه أو تقنياته الحديثة، وتجعله اختيارًا خاطئًا لموسم يتسم بالمرح. في هذا المقال، سنحلل عناصر الفيلم بالتفصيل، مع التركيز على سلبياته البارزة، لنكشف لماذا يبقى عملًا يُشاهد لمرة واحدة فقط، رغم جهد فريق كبير وميزانية غير موظفة بذكاء.

السيناريو: اعترافات هزيلة وغير مترابطة

السيناريو، الذي كتبه محمد صلاح العزب، يعتمد على قصة حقيقية عن سفاح التجمع الخامس، الذي هز الرأي العام المصري بجرائمه المروعة. الاعترافات الحقيقية للمتهم كانت غامضة وغير واضحة، مليئة بالثغرات التي لم تُفسر دوافع تحول شاب من عائلة راقية إلى قاتل متسلسل يستمتع بتعذيب ضحاياه النساء. للأسف، نقل العزب هذه الاعترافات إلى الشاشة دون إضافة أي عمق درامي أو خيال سينمائي يربط الأحداث.
المشاهد تبدو مجتزأة، كأنها لقطات متراصة عشوائيًا دون خيط سردي قوي. يبدأ الفيلم بمحاولة لرسم خلفية للسفاح (أحمد الفيشاوي)، لكنها تبقى سطحية: وسط اجتماعي راقي، فتيات بأحجام وأوزان متقاربة، مشاهد من طفولة أقرب إلى "الطبيعية"، ثم تحول مفاجئ إلى وحش لمجرد تردد الفتاة في الاستمرار ورغبتها في المغادرة. لا يوجد تحليل نفسي يفسر "لماذا؟" – هل هو صدمة طفولة، اضطراب جنسي، أم ضغوط اجتماعية؟ هذا النقص يجعل المشاهد يشعر بالضياع، فالاعترافات أثناء التحقيق تأتي هزيلة وغير مقنعة دون جهد من الكاتب لتحويلها إلى قصة مشوقة. على سبيل المثال، مشاهد القتل تُقدم دون بناء توتر نفسي يجعل الجمهور يتساءل عن الدافع، مما يفقد الفيلم أي تأثير درامي.
قارن ذلك بأفلام جريمة ناجحة مثل "Se7en" للمخرج ديفيد فينشر والكاتب اندرو كيفن واكر وبطولة براد بيت ومورجان فريمان، حيث يُبنى السيناريو حول دوافع نفسية معقدة تجعل القاتل شخصية مرعبة ومفهومة. هنا، السيناريو يفشل في الاقتراب من الحالة النفسية للسفاح، مما يجعل الفيلم أقرب إلى تقرير إخباري ممل من فيلم رعب أو جريمة. السلبية الأكبر هي عدم الاستفادة من السياق الحقيقي لإضافة طبقات: الاعترافات الحقيقية كانت مليئة بالتفاصيل المثيرة للاشمئزاز، لكن العزب يخففها إلى حد اللامعنى، ربما خوفًا من الرقابة، فينتج سيناريو باهتًا يفتقر إلى الإبداع.

الإخراج: غياب الخيال السينمائي

الإخراج يعكس نفس الضعف، حيث يبدو الفيلم كمحاولة أولى لصانعه دون خبرة كافية في أفلام الرعب أو الجريمة. المشاهد غير مترابطة، مع قفزات زمنية مفاجئة لا تخدم السرد. على سبيل المثال، الانتقال من حياة السفاح اليومية إلى جرائمه يحدث دون إشارات بصرية أو صوتية تحضر الجمهور، مما يجعل التجربة مشتتة. الإخراج لا يقرب المشاهد من "الحالة" النفسية للشخصيات؛ بدلاً من ذلك، يعتمد على لقطات طويلة بطيئة غير مبررة، كأنها تملأ الفراغ.
أحد أبرز السلبيات هو عدم وجود هدف واضح لعناصر رمزية مثل القناع الأبيض الذي يرتديه السفاح. هذا القناع، الذي يذكر بأقنعة الكرتون الطفولي مثل الفأر توم في كرتون "توم وجيري"، لا يتناسب مع جو الرعب البالغ. لماذا القناع؟ هل يرمز إلى فقدان الهوية؟ أم إلى البراءة المزيفة؟ خاصة وأنه يصور به أو بدونه فيديوهاته للمتعة الشخصية  الإخراج لا يوضح، فيبدو كإضافة عشوائية غير مدروسة، مما يفقد الفيلم أي دلالة فنية. كذلك، مشاهد التحقيق ضعيفة الإيقاع، مع حوارات مكررة لا تبني التشويق. لو كان الإخراج أكثر جرأة، لتحولت القصة الحقيقية إلى فيلم نفسي مرعب، لكنه بقي محصورًا في الوصف السطحي.

فريق التمثيل: نجوم مهدورون وفرص ضائعة

رغم وجود نجوم كبار، فشل الفيلم في استغلالهم. أحمد الفيشاوي في دور "السفاح" يبذل جهدًا، لكنه محاصر بسيناريو ضعيف. تعبيراته محدودة، ولا ينجح في نقل الجنون أو التلذذ بالقتل؛ يبدو كممثل يؤدي دورًا روتينيًا بدلاً من وحش حقيقي. والدته، صابرين، تقدم أداءً عاطفيًا باهتا،  ودورها هامشي وغير مؤثر على الرغم من كونه المؤثر الرئيسي فيما وصل إليه الوحش، مجرد خلفية عائلية بلا تطور.
ضحايا السفاح – سنتيا خليفة، مريم الجندي، فاتن سعيد، وجيسيكا حسام الدين – يُعاملن كدمى بلا شخصيات. مشاهدهن قصيرة وغير مبررة، دون خلفيات تجعل موتهن مؤثرًا. نور محمود كضابط التحقيقات لا يضيف شيئًا؛ أداؤه عادي، والدور نفسه سطحي. الاستثناء الوحيد هو انتصار، التي تضيف لمسة كوميدية لطيفة تخفف من "عناء المشاهدة"، كمسحة مرحة في بحر من الظلام. لكن هذا الحضور يبدو غريبًا في سياق رعب، وكأنه محاولة لجذب جمهور العيد دون نجاح. بشكل عام، التمثيل مهدور، حيث لم يُمنح الممثلون مساحة للتألق، مما يجعل الفيلم يفتقر إلى أي بريق نجمي.


المؤثرات والتقنية: باهتة وغير ملائمة

بعيدًا عن التمثيل، المؤثرات الصوتية والضوئية والتقنية هي كارثة. رغم التقنيات الحديثة المستخدمة تبدو باهتة وغير واضحة الدلالة، أقرب إلى فيلم اجتماعي من رعب أو جريمة. الإضاءة ضعيفة، مع لقطات مظلمة عشوائية لا تخلق جوًا مخيفًا، بل تشوش الرؤية. المؤثرات الصوتية – صرخات، خطوات، دماء – تبدو مصطنعة ومنخفضة الجودة، كأنها من فيلم من التسعينيات.
الموسيقى ترنحت تمامًا؛ لا تهيئ للغموض أو الرعب، بل تتمايل بين نغمات هادئة غير مناسبة وذروات مفاجئة غير مبررة. قارن ذلك بموسيقى "Jaws" أو الفك المفترس لجون ويليامز، التي تبني التوتر ببساطة. هنا، الموسيقى تفسد الأجواء. القناع الأبيض، كما ذكرنا، غير مبرر فنيًا، ويجعل المؤثرات تبدو كرتونية. رغم الميزانية الكبيرة والفريق الذي اجتهد، النتيجة مؤثرات غير مؤثرة، تجعل الفيلم يشبه إعلانًا تلفزيونيًا أكثر من إنتاج سينمائي.


الجدل الرقابي والعرض التجاري: خطأ استراتيجي

القرار الرقابي بسحب الفيلم بعد ساعات قليلة من عرضه في عيد الفطر أثار جدلاً: هل كان بسبب المحتوى الدموي؟ أم ضغوط خارجية؟ هذا الجدل هو السبب الوحيد في انتباه الجمهور، فلو لم يحدث، لما شاهدَه إلا القليل. عرضه في موسم الكوميديا كان خطأً فادحًا؛ الجمهور يبحث عن الضحك، لا الرعب المقزز. السحب جعله حديثًا، لكنه لم يعوض منتجه بعد، رغم التقنيات الحديثة.

"اعترافات سفاح التجمع" يفشل في تحويل قصة حقيقية مرعبة إلى فيلم ناجح. سيناريو مجتزأ، إخراج بلا خيال، تمثيل مهدور، مؤثرات باهتة، واختيار زمني خاطئ يجعلانه أقل من أي تجربة أولى. رغم جهد الفريق، هو عمل يُشاهد للفضول مرة واحدة فقط، ويُنسى سريعًا. أتمنى أن يعوض عرضه لاحقًا ميزانيته.