كنوز| فيروز تصلى لبيروت وشوارع القدس العتيقة

فيروز جارة القمر تصلى من أجل لبنان الحبيب - وتصلى من أجل القدس وشوارعها العتيقة
فيروز جارة القمر تصلى من أجل لبنان الحبيب - وتصلى من أجل القدس وشوارعها العتيقة


برغم أحزانها التى ألمت بها بعد رحيل فلذة كبدها زياد الرحبانى ولحق به شقيقه المعاق هلى، وبرغم وصول جارة القمر فيروز لعمر التسعين، إلا أننى أؤكد أنها ما زالت تصلى من قلبها المكسور لحبيبتها لبنان التى غنت لها ما لم يصدح به أحد غيرها، وتصلى أيضاً لبيروت الحزينة التى تنهال صواريخ وقنابل الكيان الصهيونى على جنوبها الآن ودمرت كل جسورها لتقطع أوصال الأرض والناس الذين نزحوا قسراً وتشردوا فى الشوارع لاحتلال الأرض والسيطرة على نهر الليطانى من أجل إسرائيل الكبرى المزعومة !! 

اقرأ أيضًا| فيروز.. صوت النضال والصمود 

أشعر بجارة القمر فيروز عن بعد وهى تركع لتصلى بعمق وحرارة لكى يستفيق العالم الذى لا يبالى بأوجاع لبنان وأحزان بيروت مثلما صلت من قبل لشوارع القدس العتيقة، وطوال الاعتداءات المجرمة على غزة كان صوت فيروز يصدح فى كل فلسطين التى قالت لها وعنها من قبل «حلّ الليل على الفلوات فأين ننام..

لا مأوى لا مثوى هل نرقد فى الساحات.. لا بيتٌ لا صوتٌ وسُدىً تمضى الساعات.. ذقنا الهَوْل وطفنا الليل بدون طعام.. إنْ البرد قَسَا واشتدّ فأين ننام..

وبيتنا الحبيب يسكنه غريب.. ونحن لاجئون فى الخيام .. هل ننام ؟ لن ننام»، ومن منا ينسى ألبوم «راجعون» الذى صدر عام 1957 وضم 9 أغنيات، من بينها: «جسر العودة» الذى تقول فى مقطعه الأخير «سلامى لكم يا أهلَ الأرض المُحتلّة يا مُنزرعين بمنازلِكم.. قلبى معكم وسلامى لكم والمجدُ لأطفال آتين.. الليلةَ قد بلغوا العشرين لهمُ الشمسُ لهمُ القدسُ.. والنصرُ وساحاتُ فلسطين». 

ومن منا ينسى ألبوم «القدس فى البال» الذى صدر فى عام 1971 وتضمن 7 أغنيات أهدتها فيروز لفلسطين ومنها: «غاب نهارٌ آخر - زهرة المدائن - بيسان - سنرجع يوماً - سيفٌ فليُشهر»، ومن منا ينسى زيارة فيروز للقدس فى ستينيات القرن الماضى للمشاركة فى احتفالية ترانيم خاصة بمناسبة زيارة البابا بولس السادس للمدينة المقدسة، وكان برفقتها 70 موسيقى وكورالاً من أعضاء فرقتها، وتجولت فى شوارع البلدة القديمة لزيارة معالمها، والتُقطت لها صورة نادرة من فندق «الهوسبيس» ويظهر من خلفها المسجد الأقصى، وتجمع حولها المقدسيون عندما كانت تتمشى فى الأزقة يشكون لها همهم ويشرحون معاناتهم مع الاحتلال، وفوجئت فيروز بسيدة فلسطينية تقدم لها «مزهرية» أوحت للرحبانية برائعة «القدس العتيقة» التى تقول كلماتها : 

اقرأ أيضًا| من "جارة الوادي" إلى "مُر بي" .. قصة عشق ألحان موسيقار الأجيال لصوت فيروز

«مرّيت بالشوارع.. شوارع القدس العتيقة.. قدام الدكاكين البقيت من فلسطين.. حكينا سوى الخبرية وعطونى مزهرية.. قالوا لى هيدى هدية من الناس الناطرين.. ومشيت بالشوارع شوارع القدس العتيقة»، وستبقى أنشودة «زهرة المدائن» صلاة يرددها الملايين من المحيط إلى الخليج جيلاً بعد جيل وراء صوت جارة القمر الملائكى حتى فى لحظات الغضب وبث الأمل عندما تقول: «لن يُقفل بابُ مدينتنا فأنا ذاهبة لأُصلّى / سأدقُّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب»، وتردد فيروز فى مكانٍ آخر: «وسيُهزم وجه القوة / البيت لنا والقدس لنا / وبأيدينا سنعيد بهاء القدس / بأيدينا للقدس سلام آتٍ آتٍ آتٍ».

ولا أنسى ما حييت رائعة «سافرت القضية» التى صرخت بها فيروز من عمق أعماقها بعد فى عام 1968 بحفل فى الجزائر للتأكيد على معاناة العرب فى مجلس الأمن والمحافل الدولية والغرب الذى يكيل بمكيالين، وتقول فيها بمرارة: «سافرت القضية تعرض شكواها فى ردهة المحاكم الدولية / وكانت الجمعية قد خصّصت الجلسة للبحث فى قضية القضية / وجاء مندوبون عن سائر الأمم جاءوا من الأمم / من دول الشمال والجنوب والدول الصغيرة والدول الكبيرة / واستمع الجميع إلى اللجنة الرسمية / وخطب الأمين العام حكى عن السلام / وبحث الأعضاء الموضوع وطرح المشروع / عدالة القضية / حرية الشعوب / كرامة الإنسان / وشرعة الحقوق / وقف إطلاق النار/ إنهاء النزاع / التصويت / التصريحات / البت فى المشاكل المُعلقة / الإجماع / وحرصت مصادر موثوقة نقلاً عن المراجع المطلعة / ودرست الهيئة / وارتأت الهيئة / وقررت الهيئة / إرسال مبعوث وصرح المبعوث بأنه مبعوث من قبل المصادر/ وأن حلاً ما فى طريق الحل / وحين جاء الليل كان القضاة قد تعبوا / أتعبهم طول النقاش / فأغلقوا الدفاتر وذهبوا للنوم / وكان فى الخارج صوت شتاء وظلام / وبائسون يبحثون عن سلام / والجوع فى ملاجئ المشردين ينام / وكانت الرياح لا تزال تقتلع الخيام.

«كل هذه المعانى المباشرة، العميقة، الواضحة والمعبّرة لا نستغرب حضورها على هذا المستوى من اختصار معاناة القضية مع المرجعيات الدولية، مع ما يسمّى «الرأى العام العالمى»، وما صرخت به فيروز فى هذه الأغنية ما زال قائماً وزاد عليه التحيز السافر من الولايات المتحدة لدولة الكيان الصهيونى !

أشعر بوجع فيروز وهى تطالع عبر الشاشات الاعتداءات الإجرامية على جنوب بيروت التى أحبتها وما زالت تحبها وقالت لها فى رائعتها الشهيرة «لبيروت من قلبى سلام لبيروت / وقبل للبحر والبيوت / لصخرة كأنها وجه بحار قديمِ / هى من روح الشعب خمر/ هى من عرقِهِ خبز وياسمين / فكيف صار طعمها طعم نار ودخان» وتختتمها بقولها: «عانقينى أنت لي/ رايتى وحجر الغد وموج سفرى / أزهرت جراح شعبى أزهرت دمعة الأمهات / أنت بيروت لى، أنت لى آه عانقينى». 

فيروز تعانق بيروت كل سنين عمرها، وبيروت تعانقها عندما شاركتها أحزانها ويعلم كل لبنانى مدى الحب الذى تحمله فيروز للبنان فهى من قالت له: «بحبك يا لبنان / يا وطنى بحبك / بشمالك بجنوبك بسهلك بحبك / تسأل شو بنى وشو اللى ما بنى / عندك بدى إبقى ويغيبوا الغياب / إتعذب وإشقى ويا محلا العذاب / وإذا أنت بتتركنى يا أغلى الأحباب / الدنيا بترجع كذبة وتاج الأرض تراب / بفقرك بحبك وبعزك بحبك / أنا قلبى ع إيدى لا ينسانى قلبك / والسهرة ع بابك أغلى من سنى / وبحبك يا لبنان يا وطنى». 

ونحن أيضاً نحبك يا فيروز ونحب لبنان مثلك، نتألم لألمه ونتمنى له الصمود حتى يشعر به العالم الحر الذى لا يكيل بعشرات المكاييل، والله لا يرضى بجبروت المتغطرسين الجبناء.