كنوز| رحلـــة كفـاح ملك الزجــاج فـــى مصـر

سيد ياسين يعرض أحد منتجات مصنعه للملك فاروق
سيد ياسين يعرض أحد منتجات مصنعه للملك فاروق


ظلت المملكة المصرية تستورد كل صناعة الزجاج من الخارج، لم تكن هناك صناعة رائجة للزجاج فى مصر حتى عام 1921 الذى جاء فيه محمد سيد ياسين من الإسكندرية إلى القاهرة لتأسيس شركة كبيرة لصناعة الزجاج فى مصر يتم بها الاستغناء نهائياً عن استيراد الزجاج من الخارج، وسخر البعض من الفكرة التى طرحها محمد سيد ياسين وتوقعوا له الفشل، لكن الرجل كان قد أعد نفسه لهذه المهمة.

اقرأ أيضًا| ثروة تبحث عن وريث.. مدفونة بحديقة قصر مصري

إيماناً منه بأن المصريين القدماء هم الأشهر فى هذه الصناعة التى انزوت وتدهورت أحوالها بالاعتماد على الاستيراد من الغرب الذى تعلم الصنعة من المصريين القدماء، ومن أجل تحقيق هذا الحلم انطلق الرجل إلى ألمانيا ومنها إلى عدة دول مجاورة فى زيارات لمصانع الزجاج هناك وتمكن من الحصول على ما يكفيه من خبرة للانطلاق فى هذا المجال، وعاد مُحملاً بالعلم وبعدد من الخبراء الأجانب الذين سينقلون خبراتهم للعمالة المصرية وتدريبهم على فنون الصنعة، وشق طريقه بصعوبة وسط أباطرة الاستيراد الذين كانوا يقفون بضراوة فى وجه أى صناعة وطنية تقام فى مصر. 

وظل محمد سيد ياسين يعانى على مدى ثلاث سنوات بسبب محاربته من مستوردى الزجاج الذين حرضوا السوق عليه فكان نجاحه فى البداية بطيئاً، لكنه لم يفقد الثقة فى نفسه والعمال الذين يعملون معه وظل يثابر بعزيمة استطاع بها أن يجد لنفسه مكاناً فى السوق المحلى، وخطوة خطوة أدرك أن الوقت قد أصبح مناسباً ليصبح مشروعه أكبر وأوسع نشاطاً.

اقرأ أيضًا| حكايات| ثروة تبحث عن وريث.. سر أشهر دادة في السينما المصرية 

فقام باختيار قطعة أرض فى شبرا الخيمة وصمم توسعة لمصنعه الكبير الذى يحلم به، وعندما حسب حسبته اكتشف أنه بحاجة إلى 80 ألف جنيه فى ذلك الوقت، ورفضت جميع البنوك فى مصر أن تقرضه وتضع يدها فى يد هذا المجنون الذى باع أرضه وجميع ممتلكاته من أجل إنشاء وتأسيس أول وأكبر مصنع للزجاج فى مصر، لكن الاقتصادى العظيم طلعت باشا حرب مؤسس بنك مصر آمن بمشروعه وقرر أن يُقرضه ما يحتاج إليه من مال وتعجب مديرو البنوك الأخرى وسألوه كيف تفعل ذلك ؟ 

فقال طلعت باشا حرب : «للأسباب نفسها التى رفضتم من أجلها إقراضه فهذا رجل باع كل ما يملك من أجل مشروع صناعى تحتاجه مصر ولست أدرى كيف تبدأ الصناعة إلا بمجازفة مدروسة ؟»، ولم يكتفِ طلعت حرب بالموافقة على القرض فقط بل استمر فى مراقبة المشروع ومتابعته وتشجيعه، وفى غضون سنواتٍ قليلة أصبح مصنع ياسين للزجاج من أشهر المصانع فى الداخل والخارج.

وأصبحت منتجاته فى كل بيت مصرى، وتحول مصنعه إلى مؤسسة صناعية اجتماعية كبرى بلغت مساحتها 64 ألف متر مربع تقريباً، وتمتع مصنع ياسين للزجاج بسمعة عالية فى تصنيع المنتجات الزجاجية حتى أنه أطلق عليها أكاديمية صناعة الزجاج فى مصر، تحولت مصانعه لواحدة من أهم مرتكزات الصناعة الوطنية المصرية، وقام جلالة الملك فاروق بزيارة احتفائية لمصانع ياسين للزجاج عندما علم بحجم التصدير المصرى للزجاج بالخارج، وأنعم على هذا الرجل الوطنى بالباكوية، وفوق ذلك عرف محمد سيد بك ياسين بلقب ملك الزجاج فى مصر إلى أن تم تأميم مصانعه قى أوائل ستينيات القرن الماضى، وكتب عنه الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين قائلاً: «لا يمكن أن أخفى إعجابى وتقديرى بسيد بك ياسين رائد صناعة الزجاج فى مصر لأنه أحد زعماء الوطنية الاقتصادية فى مصر الذى بدأ من الصفر».

«كنوز»