بعد اختطاف دونالد ترامب لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو أوائل (يناير2026م) من غرفة نومه بزعم ارتكابه جرائم بحق أمريكا لم نعد نسمع منه أيّ حديثٍ له عن اتهاماته تلك بحق مادورو، والتي كانت أساسًا لحصار فنزويلا ومن ثمّ اختطافه له، وإنما بات جُلّ حديثه -إن لم يكن كله- عن نفط فنزويلا وإدارته له ولحساباته، وملايين براميله التي وصلت بالفعل إلى أمريكا، حد تصريحه نصًّا بسيطرته المطلقة عليه، بل على فنزويلا نفسها حدّ شططه -ولو هزلًا- بأنه ربما يكون رئيسًا لها بعد انتهاء ولايته الحالية، مرغمًا.
وبعد تورطه في المستنقع الإيراني -حتى ضاق عليه مضيقها- تحت مزاعم خطر برنامجيها (الصاروخي والنووي) الوجودي على إسرائيل والمنطقة والعالم بأسره، هذا من ناحية. ومن أخرى ارتكابها الفظائع بحق المتظاهرين الإيرانيين، وقتلها عشرات الآلاف منهم، وتهديدها بإعدام أمثالهم، لم يصبر على نفسه كثيرًا حتى فضحته أطماعه، وأطماع بلاده في نفط إيران، وﻻ شيء سواه، حد تصريحه نصًّا برغبته في السيطرة عليه، مثلما سيطر على نفط فنزويلا؛ ليكون بذلك قد استولى على نحو ثلث احتياطي العالم من النفط، فضلًا عن ممرّ هام كمضيق هرمز؛ ليضمن لبلاده بذلك تفوقًا مطلقًا لعقودٍ من الزمان، وإن كان على حساب ثروات ودماء وأوجاع الشعوب الأخرى.
وبين استلائه على نفط فنزويلا، ورغبته الجامحة في الاستيلاء على نفط ايران، ومن قبلُ رغبته في الاستيلاء على كندا وغرينلاند وبنما وكوبا، راح منتصف (مارس2026م) الحالي، يكرر ثانية رغبته في الاستيلاء على كوبا، بل رأى في ذلك حُلمًا لطالما راود أسلافه، فمدة حياته يسمع أمريكا وكوبا، متى تفعلها أمريكا؟! حتى تمنى أن ينال هو شرف الاستيلاء عليها، وتحقيق هذا الحُلم على يديه، معلنًا أنه وفي الأخير سيستولي عليها بشكل أو بآخر. وهنا نلمح من جهةٍ أخرى أن الإمبريالية الأمريكية جينات يتوارثها رؤساء أمريكا، رئيسًا تلو الآخر، ولم يكن ترامب بدعًا فيها.
رغباتٌ جامحة لطالما أدهش بها ترامب العالم منذ بداية ولايته الثانية تلك، غير أنه في كلها يكشف لنا عن الإستراتيجية التي كانت تنتهجها بلاده في استهدافها الدول، وإخضاعها، ومن ثمّ نهب ثرواتها ومقدراتها؛ وﻻ شك أن لكل دولة مستهدفة ملفها الخاص بها، وأسلوب وطريقة التعامل معها؛ فتارةً عن طريق تلفيق التُّهم، والتي تختلف بالطبع من دولةٍ لأخرى؛ مثال، اتهام مادورو بتآمره مع جماعات مسلحة كولومبية لتهريب الكوكايين إلى أمريكا. خطر أسلحة إيران، فضلًا عن انتهاكها حقوق الإنسان، وقتلها المتظاهرين. أسلحة الدمار الشامل في العراق، وقد ثبت كذبها وزيفها باعتذار توني بلير في هذا الشأن، للبريطانيين طبعًا. وتارةً أخرى بإنهاك الدول عبر إغراقها في الديون الأمريكية كما الحال مع كندا، وتصريح ترامب في ذلك شخصيًّا، وأنها صارت عبئًا على أمريكا ماديًّا، ومن ثم رغبته في الاستيلاء عليها. وفي الأخير، يكون إضعاف الدول وإنهاكها، بأية وسيلة كانت، هي المطية المُثلى لاستهداف الدول، وهو نلمحه جليًّا في حديثه عن كوبا، مثالًا، وما يحفزّه على الاستيلاء عليها أنها دولة تعاني الآن من ضعفٍ شديد. وهو ما لم يُخفه كذلك وزير خارجيته ماركو روبيو عندما صرح بأن حكومة كوبا لا يمكنها إصلاح اقتصادها الضعيف جدًّا. كل ذلك فضلًا عن لغته الفاضحة لأطماع بلاده، مرة بقوله (أوه أمريكا)، عندما نظر إلى خريطتها جوار كندا في (يناير 2025م). وأخرى بحديثه عن موقع غزة الرائع ورغبته في الاستيلاء عليها، وجعلها ريفيرا الشرق. وثالثة بحديثه عن كوبا متغزلا بكونها جزيرة جميلة، وطقسها رائع، وهي ليست ضمن مناطق الأعاصير، وهذا أمر جميل من باب التغيير، حسب قوله، فالكوبيون لن يطلبوا أموالًا بسبب الأعاصير كل أسبوع؛ ومن ثم يمكنه بعد الاستيلاء عليها أن يفعل بها ما شاء بها. هذا بالإضافة إلى رغبة أصدقائه في العودة إليها. هذا فضلًا عن مفرداته الخادعة في بلوغ مآربه تلك؛ فمن ذلك -مثالًا- حديثه عن كاسترو العنيف، ومن ثمّ حرصه على تحرير شعب كوبا، والذي عانى ويلات ذلك، مثلما الحال مع معاناة الإيرانيين المقهورين من نظامهم. بالإضافة إلى ادّعائه كذبًا قبلُ برغبة الكنديين أن يكونوا وﻻية أمريكية، ومحاولته البائسة اليائسة في رشوة وشراء سكان غرينلاند بدوﻻراته لإبداء رغبتهم الصريحة في انضوائهم تحت لواء أمريكا.
وإذا ما تركنا أمريكا برغبتها الإمبريالية الجامحة في الاستيلاء على ثروات العالم، ونهب مقداراته، وسُبُلها في ذلك، لنرى ربيبتَها الأخرى، وقاعدتها الكبرى ونقطة ارتكازها في المنطقة، إسرائيل، تقترف رسميًّا ما لم يقترفه أحدٌ قبلها، سوى أستاذتها التي علمتها السحر والقتل، أمريكا؛ إذ رأيناها أمس (الإثنين 30مارس2026م)، تصوّت رسميًّا، وبشكل نهائي، على قانون يسمح لها، وفي حصانةٍ مطلقة لسجّانيها، بقتل الأسرى الفلسطينيين لديها. في سابقةٍ تتكسر عندها كل ادعاءات حقوق الإنسان مطلقًا، فضلًا عن كونه أسيرًا، قهره الأسر، وقلة الحيلة. سابقة دالة على ضرب هذا الكيان، ورسميًّا، بالأعراف والقوانين الدولية عرض الحائط ... إلى آخره. سابقة فاضحة وكاشفة على بربرية ووحشية هذا الكيان المجرم، عديم الرحمة والإنسانية والمروءة والشرف، وكل شرف، حدّ تلقيهم -وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع- التهاني في المصادقة على هذا القانون، وتبادل إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومى الإسرائيلي المتطرف، وكلهم متطرفون، مع أعضاء الكنيست الحلوى والشامبانيا المشوبة بلون الدم الفلسطيني الأعزل. وإشهاره حبلَ مشنقةٍ ابتهاجًا بذلك. قانون يأتي في سياقات قوانين رسمية تقطع جميعها بتلك الرؤية الإمبريالية العنصرية لهذا الكيان، ومن ورائه أمريكا؛ قانون بيهودية دولة إسرائيل، وقانون بضم الجولان واعتبارها جزءًا ﻻ يتجزأ من دولة إسرائيل، وقانون بضم الضفة، وقانون يمنع قيام دولة فلسطين للأبد، وحرمان الفلسطينيين من حقهم في قيام دولتهم إلى آخره من قوانين أقرتها دولة القانون إسرائيل. فضلًا عن رغبتها المعلنة رسميًّا بضم أراضي دولٍ ذات سيادة فقط لتحقيق دولتهم الكبرى، من النيل إلى الفرات، وفق رؤية دينية مزعومة، وأساطير متوهّمة.
المدهش في كلا الموقفين، الأمريكي والإسرائيلي، في الاستيلاء على ثروات وأراضي الآخرين، وفي إقرار إسرائيل لقانون يقضي بإعدام الأسرى، أنهما يصدران عن دولتين لطالما تشدقتا بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، وأعلام السلام؛ أمريكا شرطي العالم -وقد نصّبت نفسها لذلك- والمنظّر الأول في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإقرار القانون في العالم، واحتضانها للأمم المتحدة ومجلس أمن العالم ... إلى آخره. وإسرائيل التي روّجت لمظلوميتها، واضطهاد شعبها، وابتزاز العالم بذلك، ولا تزال. وكيف يصدح مسئولوها ليل نهار، وفي كل محفل، ورغم إبادتهم لغزة، وجرائمهم في الضفة ولبنان وسوريا وغيرها، بأنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. والمدهش هو التماهي بينهما في ذلك، حدّ التطابق والتماثل، وكأنهما وجهان لعُملةٍ واحدةٍ، بل هما كذلك؛ لذا، ودون أدنى دهشةٍ جاء الرد الأمريكي الفوري على تصديق الكنيست بإعدام الأسرى الفلسطينيين بأن لإسرائيل الحق في سَنّ القوانين الخاصة بها. هذا الرد الأمريكي المتسق مع مرّاتٍ تسع استخدمت فيها أمريكا منفردةً حق النقض الفيتو ضد وقف الحرب، والاستمرار في إبادة الفلسطينيين العُزّل، من أطفال وشيوخ ونساء. تحدث ترامب عن تحرير كوبا، وتحدث نتنياهو هو الآخر عن حماية إخوانه الدروز في سوريا وتحريرهم، وكذلك حمايته للأكراد هناك؛ في تطابق لغوي بينهما، وبمفردات يتسترون خلفها، ويتذرعون بها لتكون منطلقًا لاستباحة الدول. ولا عجب في ذلك كله، ويزيد؛ فأمريكا وإسرائيل كلاهما وُجدا على حساب دماء وأراضي أصحاب الأرض، والسكان الأصليين، كلاهما وُلدا سفاحًا.
لنخلص من ذلك كله، إلى أننا أمام ديمقراطيةٍ فريدةٍ من نوعها، ديمقراطية تتلاشى أمامها كلُّ شرائع الغاب، وقوانين البلطجة. ديمقراطية لم تكن يومًا سوى قناعٍ خادعٍ لإمبرياليةٍ مقيتةٍ عفنة. ديمقراطية مفرداتُها عند النهب التهديدُ والوعيد بالإبادة والسحق والتدمير والجحيم. ديمقراطية الاستيلاء على ثروات ومقدرات الآخرين، ديمقراطية إعدام الأسير، ديمقراطية بات الاستيلاءُ فيها شرفًا، وإعدامُ الأسير فيها قانونًا.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







