فى زاوية لا تكاد تُلاحظ، على رصيف متواضع ملتصق بمسجد «الفولي» بالمنيا، لا تُسمع أصوات أوانى الطبخ فحسب، بل يُسمع همس القلب الإنسانى الكبير الذى ينبض داخل سيدة خمسينية، قررت أن يكون عطاؤها لأجل وجه السماء وليس وجه الأرض.. «أم محمد» خادمة آل البيت التى حولت هذه البقعة الصغيرة تحت شجرة قديمة إلى مطبخ ميدانى ومنضدة عطاء لأكثر من 25 عاما متواصلة
على الرغم من الطابع العفوي، تظهر السيدة وعياً لافتاً بالشروط الصحية، فهى تستخدم أدوات نظيفة ومعقمة، وتحرص على حفظ الأطعمة فى درجات حرارة مناسبة، وتلبس قفازات وقناعاً أثناء توزيع الطعام.
إنها «أم محمد» 50 عاماً، يطلقون عليها خادمة آل البيت التى حولت هذه البقعة الصغيرة تحت شجرة قديمة إلى مطبخ ميدانى ومنضدة عطاء لأكثر من 25 عاما متواصلة، تقدم خلالها وجبات ساخنة بعد صلاة الجمعة مباشرة من كل أسبوع لعابرى السبيل، والعمالة ذات الدخل المحدود، وأى محتاج يقف عند باب المسجد طالباً سد جوعه، لقد قررت أن تكنس بنفسها غبار اليأس من أمام بيت من بيوت الله، وتقدم درساً عملياً فى أن الرحمة ليست شعاراً، بل فعل انساني، تبقى وجبتها البسيطة على الرصيف لغة عالمية يفهمها الجائع، والشقيان، والمحتاج.. لغة تقول «أنت لست وحيدا»ً.
تقول أم محمد «بدأت الفكرة بمساعدة جيرانى المسنين والفقراء بتوزيع بعض الأطعمة والمأكولات عليهم، ثم بدأت أتوجه بتوزيع الأطعمة على مسجد الفولى لأنه يجمع المحتاجين، فكان المكان الأمثل».
قبل أذان ظهر الجمعة بساعتين، تبدأ «أم محمد» طقوسها المعتادة، تنقل أدواتها البسيطة، حلل كبيرة للطهي، مواقد غاز صغيرة، بمساعدة ابنها «محمد» أحياناً واثنتين من بناتها، تحضر كميات من الأرز الساخن، إضافة إلى السلطة والخبز الطازج، وتحضر وجبات متنوعة تشمل «الدجاج أو اللحم أو الكفتة أو الهمبرجر» وغيرها.
«الوجبة ليست مجرد طعام، هى رسالة أن هناك من يهتم»، بهذه الكلمات البسيطة تجيب «أم محمد» عندما سُئلت عن سبب مبادرتها، وهى توزع الصحون بيدين تعرفان طريق العطاء منذ سنوات.. وتؤكد أن «هذا المكان «تشير إلى المسجد» بيت الله، والبشر قاطنوه عباد الله، وأقل حاجة نقدمها لهم وجبات خير ونكون قربناهم من الرحمة».
يقول أحد الوقوف أمام المطبخ «بصراحة، فى أيام الشدة والعمل الإضافي، وجبة «أم محمد» هى الفرق بين التعب والإرهاق، الأكل نظيف زى أكل البيت بالضبط وتشعر بأن لك كرامة».
أما «سمية» 44 عاماً، وهى عزباء تعمل فى تنظيف المنازل، فتقول: «مرات كثيرة آتى قبل انتهاء عملى بعد صلاة ظهر الجمعة لأخذ طعام لأولادي. هى لا ترد أحداً أبداً، وتعبّئ لى فى أوعية أحضرها معى ربنا يبارك فى عمرها».. ويوضح محمد فاروق أحد عمال مسجد الفولي»: «مبادرتها عفوية ومباركة، نحن كإدارة المسجد نشكر لها هذا العمل الخيرى الذى يخدم الفئة التى قد لا تجد من ينتبه لها فهى تعمل بشفافية ونقاء قلب».
وأضاف فتحى سعداوى أحد المستفيدين «فى زمن تتسع فيه الفجوات الاجتماعية، تثبت أم محمد أن الرحمة لا تحتاج إلى موارد ضخمة، بل إلى إرادة حقيقية وربما هذا هو السر فى نكهة وجباتها المميزة، مشروعها الصغير يذكرنا بأن الخير يمكن أن يبدأ من وجبات طبخ، وقلب كبير، وإيمان بأن إسعاد الآخرين هو أطيب طعام.
تقول «أم انس»: والدتى الحاجة أم محمد تواجه تحديات بسيطة، أبرزها عند قدوم شهر رمضان بنقوم بعمل مائدة رحمن طوال الشهر، ويجب أن تحصل من مجلس المدينة على تصريح وتقابل صعوبات عديدة فى سبيل ذلك، وكذلك ارتفاع أسعار المواد الغذائية أحيانا».. وأضافت أن والدتى احيانا يأتى لها تبرعات محلية عينية من بعض المحسنين فى المنطقة الذين يعرفون عملها.
ويقول محمد نجل خادمة آل البيت «تواجه أمى تحديات مثل ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وصعوبة توفير التمويل المستمر، لكن إصرارها أكبر. رؤية نظرة الامتنان فى عيون من تطعمهم تدفعها للاستمرار».
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







