مهما صرّح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بإصراره على الإنزال البرى لإسقاط النظام الإيرانى، تكشف التجارب الأمريكية المتكررة أن الحروب البرية مغامرات مفتوحة، غالبًا ما تنتهى إلى مستنقع يصعب الخروج منه، مهما بلغت القوة والتفوق التكنولوجى.
الخطابات الأمريكية فى بداية أى حرب تكاد تكون نسخة مكررة، «حرب سريعة»، «ضربة قاضية»، و«استسلام وشيك». هذا ما قيل فى فيتنام، ثم فى أفغانستان، ثم فى العراق، لكن الواقع كان مختلفًا وأكثر تعقيدًا.
فى حرب فيتنام، التى بدأت ١٩٦٥، استمرت قرابة عشرين عامًا، خلال حكم ليندون جونسون وريتشارد نيكسون، دخلت الولايات المتحدة وهى تتوقع حسمًا سريعًا، لكنها خرجت بعد سنوات من النزيف العسكرى والسياسى، أمام مقاومة شرسة تعرف طبيعة الأرض، أكثر مما تعرفها القوات الأمريكية.
والثقافة الأمريكية نفسها اعترفت بوحشية حرب فيتنام، وعكستها أفلام مثل «العسكرى الأزرق»، الذى كشف الوجه الدموى للحرب، التى تُسوَّق للرأى العام الأمريكى، باعتبارها نشرًا للقيم، وكانت مرآة لصدمة مجتمع، بدأ يشكك فى جدوى تلك الحروب.
وتكرر السيناريو بشكل أكثر وضوحًا فى أفغانستان، بدأت الحرب فى أكتوبر ٢٠٠١، واستمرت نحو عشرين عامًا حتى الانسحاب الأمريكى الكامل فى ٢٠٢١، وأعلن جورج دبليو بوش أن الهدف هو إقامة دولة حديثة تكون مثالًا يحتذى به.
لكن جاء «جو بايدن» ليقول بوضوح إن الولايات المتحدة لم تذهب من أجل الديمقراطية، بل لحماية مصالحها، والنتيجة كانت انسحابًا فوضويًا، وصورًا لطائرات أمريكية تغادر وعلى متنها بعض عملائها، بينما تُرك آخرون لمصيرهم الدموى، مشهد يؤكد فشلًا سياسيًا وعسكريًا.
أما فى العراق، فقد بدأ الغزو فى مارس ٢٠٠٣، وسقط النظام سريعًا فى إبريل من نفس العام، لكن الوجود العسكرى الأمريكى استمر حتى الانسحاب الرسمى فى ديسمبر ٢٠١١، بعد سنوات من العنف الطائفى بين الميليشيات المسلحة.
وعدت الإدارة الأمريكية بأن تتحول العراق إلى نموذج ديمقراطى يُلهم المنطقة، لكن ما حدث فعليًا كان تفكيك الدولة وصعود الميليشيات، ودخول البلاد فى دوامة من العنف وعدم الاستقرار، لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
واليوم يعاد إنتاج نفس الخطاب فى الحرب الإيرانية، من التصريحات بعملية عسكرية خاطفة تنتهى خلال أيام، ثم تحوّل الحديث تدريجيًا إلى ضربات أوسع، تشمل البنية التحتية من كهرباء ومياه ووقود، وهنا يبرز السؤال الجوهرى: هل الهدف هو تدمير القدرات النووية والصواريخ، أم القضاء على مقومات الحياة نفسها؟، وهل يؤدى ذلك إلى إسقاط النظام، أم إلى مزيد من تعقيد المشهد؟.
دروس الحروب تؤكد أن الغزو البرى، هو المستنقع الذى يصعب الخروج منه، خاصة فى دول ذات عمق جغرافى وبشرى مثل إيران.. التاريخ لا يمنع تكرار الأخطاء، لكنه يضىء الطريق، فهل تستمع واشنطن إلى دروسها السابقة، أم تمضى مرة أخرى نحو مستنقع جديد؟.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







