القُصير.. القصة تأسرك (2)

حكايات السمك الناشف.. الطليان.. ميناء الفوسفات.. و«الجريمة»

الكنيسة على الطراز الإيطالى داخل مبنى إدارة شركة الفوسفات
الكنيسة على الطراز الإيطالى داخل مبنى إدارة شركة الفوسفات


تقرير: عبدالرحيم العرجان

وصل الإيطاليون إلى مدينة «القصير» فى عام 1912م لإنشاء صناعة واستخراج الفوسفات، الذى يُعد من أجود الأنواع فى العالم. فأسسوا الشركة المصرية الإيطالية لإنتاج الفوسفات، ليتم تصدير أول شحنة عبر مينائها إلى الهند والأسواق العالمية، ثم أُمّمت الشركة بعد الثورة لتصبح شركة النصر لتعدين الفوسفات، ثم أُسست شركة فوسفات البحر الأحمر، كما وجدنا فى أوراقها وسجلاتها المتناثرة التى هُجرت قبل 28 عامًا.


 ويضم الميناء مبنى الإدارة، وفى مدخله متحفٌ لمخلوقات بحرية وبرية وطيور، وأدوات قياس وفحص استُخدمت فى الدراسات الجيولوجية، بالإضافة إلى العديد من هناجر التخزين وعنابر التجميع، ومستوصف ومدرسة وكنيسة ما زالت عاملة، ومبنى راقٍ فى العمارة يُعرف باستراحة الملك فاروق على شاطئ البحر، وهو فى الأصل مبنى تابع للشركة شُيّد لاستقبال كبار الزوار.
وبها صور فيلم «الجريمة» بطولة أحمد عز ومنى شلبي، ومن إخراج شريف عرفة، وقد وظّف المخرج أروقتها بما فيها من عزلة وتأثيرات، صنعت جوًا يثير شوق المشاهد ويطغى عليه، كأنه طابعٌ حقيقى للسيناريو. ولم تخلُ زيارتنا، التى كانت مع المغيب، من أجواء الفيلم.
القصير والتاريخ
عرف الميناء ازدهارًا كبيرًا فى التجارة منذ عهد الفراعنة، حيث بدأت الملكة حتشبسوت رحلتها الاستكشافية إلى بلاد بونت فى خمسة مراكب، حسب ما هو مدون فى معبدها بالأقصر، حيث عُرفت القصير باسم «تاعو»، فكان يجلب البخور واللبان من اليمن والهند، والحرير من الصين، والتوابل من سقطرى وزنجبار، ويُصدر منها خشب الأبنوس والعاج الأفريقي.
وللأنباط، حين سادت تجارتهم بين القرن الرابع قبل الميلاد والثانى الميلادي، أثرٌ فى تنمية وازدهار الطرق البرية والبحرية، وتجارة البضائع بين المشرق وجنوب الجزيرة العربية وإفريقيا، وسبل نقلها إلى مينائهم أيلة (العقبة)، ومنها إلى الحميمة للتوزع إلى مبتغاها من الممالك.
وقد عُثر فى مصر على 84 نقشًا نبطيًا، يقع معظمها على الطرق القديمة فى أودية بين البحر الأحمر ووادى النيل، مرورًا بوادى الحمامات وأبو كوع الواصلة إلى القصير، بالإضافة إلى المخربشات التى تؤكد وجود نشاطهم هناك. وقد بيّنت النقوش مهنًا كقائد الإبل، وصانع الملاط، والكاهن، ونقشًا لإله الكتابة والتجارة «ذو الشرى». فيما وُجد فى منطقة البالوع قرب الكرك ما يجسد العلاقات الأدومية المصرية، وفى الصين دُوّن أن العرب كانوا يأتونهم بالسلع من مصر ويتاجرون معهم فى تلك الحقبة دون تحديد من هم.
كان صيادو البحر الأحمر يجنون خيرا كثيرا من الحرفة الأصلية لهم وهى حرفة الصيد، مع كثرة الأسماك وعدم وجود ثلاجات لحفظها قديما، توصلوا لفكرة تحفيف الأسماك بالملح حتى لا تتعفن، واعتاد أهل القصير على تجفيفه وأكله فى العيد والمناسبات وأصبحت عادة موروثة، والتجفيف يختص بأنواع معينة من الأسماك، وليست كلها، وأهمها سمك الحريت ثم التهمل والرهو، حيث يتم فتح السمكة عن طريق شقها نصفين من الظهر، ثم تنظف وتشقق وتملأ الفراغات من الداخل بالملح وذلك بعد غسلها بماء البحر جيدا وتنظيفها من الداخل.
يعرض السمك بعد ذلك للشمس فى مكان جيد لمدة يوم، وبعد تشريبه للملح فى تلك المدة يغسل مرة أخرى بماء البحر ويتم قلبه على الناحية الأخرى وتركه مدة لا تقل عن أسبوع، الأسماك ذات الحجم الضخم أو السمينة تستغرق وقتا أكبر فى عملية التجفيف، بعد تجفيفه يبقى السمك صالحا للاستخدام لفترات طويلة قد تصل لعام ونصف!!
كانت الرحلة ممتعة، والمدينة استحوذت على كل جوارحي.
غادرت القصير لكنها تظل مسيطرة على وجداني، شامخة واقفةً… لا كمدينةٍ من الماضي، بل كذاكرةٍ حيّة، تكتب نفسها مع كل زائر، وتحتفظ به، ولو لوقتٍ طويل، بين سطورها.
 موثق ورحالة أردني