خبير آثار يرصد خريطة الاكتشافات القبطية في مصر منذ 2010

صورة موضوعية
صورة موضوعية


من قلب الصحراء المصرية، حيث العزلة والتأمل، تتكشف طبقات جديدة من تاريخ مصر الروحي والحضاري، حاملةً شواهد حية على نشأة الرهبنة وتطور المجتمع القبطي عبر القرون.

 وفي قراءة تحليلية لمسار الاكتشافات الأثرية منذ عام 2010، يسلّط خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان الضوء على أبرز المحطات التي أعادت رسم ملامح الحياة القبطية المبكرة، وكشفت عن تفاصيل دقيقة لعالم ظل لقرون طيّ النسيان.

اقرأ أيضًا.. سيناء تكشف أسرارها.. نقوش صخرية نادرة توثق الصيد قبل 10 آلاف عام

رصد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس حملِة الدفاع عن الحضارة المصرية، أبرز الاكتشافات الأثرية القبطية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، والتي شكّلت إضافة نوعية لفهم نشأة الرهبنة وتطور العمارة والفكر الديني في مصر.

- دير الأنبا أنطونيوس.. بداية الحكاية

تعود البداية إلى فبراير 2010، حين أسفرت أعمال ترميم دير الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر عن اكتشاف قلايات رهبانية بحالة جيدة، احتفظت بجدرانها المزينة بكتابات قبطية ورسوم ملونة، ويُعد الدير، الذي يرجع للقرن الرابع الميلادي، أول دير في العالم، وينسب إلى الأنبا أنطونيوس، مؤسس الرهبنة المسيحية.

استمرت أعمال الترميم لثماني سنوات بتكلفة بلغت 80 مليون جنيه، وكشفت عن مكونات معمارية متكاملة تضم كنائس وحصنًا ومرافق خدمية، إلى جانب عين ماء لا تزال تُستخدم حتى اليوم، ما يعكس استمرارية الحياة الروحية بالموقع عبر القرون.

- الواحات البحرية.. ملامح مجتمع رهباني متكامل

في مارس 2021، كشفت بعثة أثرية نرويجية فرنسية عن أطلال مسيحية في منطقة تل جنوب قصر العجوز بالواحات البحرية، تعود إلى الفترة بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين.

ضم الكشف بقايا ثلاث كنائس وقلالي للرهبان، إلى جانب 19 حجرة منحوتة في الصخر، وجدران تحمل كتابات دينية باليونانية ورموزًا قبطية، كما عُثر على شقف فخارية (أوستراكا) تحمل نصوصًا تعكس الحياة اليومية والدينية، ما أتاح تصورًا واضحًا لتخطيط التجمعات الرهبانية الأولى في مصر.

- الواحات الخارجة.. مدينة التحول الديني

وفي يوليو 2025، نجحت بعثة أثرية مصرية في الكشف عن بقايا مدينة سكنية متكاملة بالواحات الخارجة، تعود إلى الفترة من القرن الرابع حتى السادس الميلادي، وهي مرحلة التحول من الوثنية إلى المسيحية.

شملت الاكتشافات كنائس ومنازل ومرافق خدمية، إلى جانب جدارية نادرة تُصوّر السيد المسيح وهو يشفي المرضى. كما كشفت الحفائر عن كنائس بالطراز البازيليكي، وأدلة على حياة يومية متكاملة، من تخزين الطعام إلى الأنشطة الصناعية، 
وتُبرز هذه الاكتشافات طبيعة التحول الديني التدريجي في مصر، وما صاحبه من حراك فكري يعكس قيم التسامح والانفتاح الحضاري.

- منقباد بأسيوط.. رمزية الفن القبطي

في مايو 2025، كشفت بعثة مصرية بمنطقة منقباد بأسيوط عن مبنى أثري من الطوب اللبن يعود إلى القرنين السادس والسابع الميلاديين.

تميّز المبنى بجداريات ذات طابع رمزي، أبرزها جدارية تمثل عيونًا متكررة تحيط بوجه إنساني، في دلالة على البصيرة الروحية، كما عُثر على لوحة يُرجّح أنها تصور يوسف النجار حاملاً السيد المسيح، تحيط به كتابات قبطية، ما يعكس عمق التعبير الفني والديني في تلك الفترة.

- سوهاج.. مجمع رهباني متكامل

وفي يناير 2026، كشفت حفائر أثرية بموقع «الدوير» بمحافظة سوهاج عن مجمع سكني رهباني متكامل يعود للعصر البيزنطي.

ضم المجمع مباني مستطيلة تحتوي على قلالي للرهبان، وصالات للعبادة، وأفنية ومرافق خدمية، إلى جانب كنيسة رئيسية تتكون من صحن وخورس وهيكل، كما عُثر على أدوات معيشية وأوانٍ فخارية ونصوص قبطية، ما يعكس تفاصيل الحياة اليومية داخل هذا المجتمع الديني.

- البحيرة.. تطور العمارة الرهبانية

وفي أحدث الاكتشافات مارس 2026، نجحت بعثة أثرية في منطقة القلايا بالبحيرة في الكشف عن مبنى يُرجّح استخدامه كدار للضيافة في القرن الخامس الميلادي.

يتكون المبنى من 13 حجرة متعددة الوظائف، تشمل أماكن للإقامة والتعليم والاستقبال، إضافة إلى مرافق خدمية. كما عُثر على جداريات وزخارف نباتية، من بينها تصوير لغزالتين، إلى جانب نقوش قبطية وشاهد قبر يحمل اسم "أبا كير بن شنودة".

ويعكس هذا الكشف تطور العمارة الرهبانية من العزلة الفردية إلى الحياة شبه الجماعية، وظهور منشآت مخصصة لاستقبال الزائرين.

تكشف هذه الاكتشافات المتتابعة عن صورة متكاملة للحياة القبطية في مصر، ليس فقط بوصفها مرحلة دينية، بل كحضارة إنسانية متكاملة امتدت جذورها في عمق الصحراء. 

فمن القلايات البسيطة إلى المجمعات الرهبانية الكبرى، ومن النقوش القبطية إلى الجداريات الرمزية، تتجلى قصة تحول فكري وروحي فريد، يعكس قدرة الحضارة المصرية على التكيف والتجدد عبر العصور، ويؤكد مكانتها كأحد أهم مراكز نشأة الرهبنة في العالم.