يوميات الأخبار

حنين للماضى

محمد عبيد
محمد عبيد


أجد نفسى أحيانًا أعيش دورًا مزدوجًا كأننى ممثل فى مشهدين متناقضين؛ وجه حزين فى مكان ووجه مبتسم فى آخر، كأننى أستعير شخصية «رأفت الهجان» فى القدرة على تبديل الوجوه فى لحظات قليلة

الإثنين:

شاءت الأقدار هذا العام أن أكون أنا من يُوصّل ابنى طه إلى المدرسة فى صباح اليوم الأول، ما إن نزلنا إلى الشارع حتى فوجئت بالمشهد: طوابير طويلة من التلاميذ بمختلف الأعمار، كلٌّ منهم يسير بجوار أسرته فى طريقه إلى المدرسة هذا المشهد أعادنى فورًا إلى طفولتى فى بلدنا الريفى الجميل؛ كنّا نقطع ما يقرب من 750 مترًا سيرًا على الأقدام حاملين حقائبنا الثقيلة، لا وسيلة مواصلات ولا رفاهية، فقط عزيمة الأطفال فى طلب العلم. لم يكن حرّ الصيف ولا برد الشتاء يثنينا، فالكلّ يسير فى الطريق نفسه، وكأنها طقوس معتادة فى الأقاليم حيث يتحمل الطلاب المشقة أكثر من أبناء المدينة.

بل إننا فى المرحلة الثانوية كنّا نرى طلابًا يأتون من خمس قرى مجاورة إلى مدرستنا فى مدينة قها، يتشاركون الطريق والأحلام. اليوم تغيّر كل شىء: أصبح فى كل قرية تقريبًا مدرسة ثانوية خاصة بها، وأصبح «التوك توك» يتنقّل بين البيوت لجلب الطلاب إلى المدارس وإعادتهم بعد انتهاء اليوم الدراسى. مشهد الازدحام على الأرصفة والسيارات الصغيرة المكدسة بالطلاب جعلنى أتساءل: حتى أبناء الأقاليم الذين عُرفوا بالصبر والجلَد صاروا اليوم أكثر ترفًا منّا حين كنا فى أعمارهم؟ لقد فقدنا شيئًا من قيم الجهد والاعتماد على النفس، وحلّ محله الاعتماد على الوسائل الحديثة التى وإن سهّلت الحياة إلا أنها حرمت الأبناء من تعلم معنى الكفاح والصبر فى سن مبكرة.

وجوه متعددة

الأربعاء:

اليوم كان مختلفًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى أحيانًا يفرض عليك القدر أفعالًا لم تخترها بإرادتك، فتجد نفسك فى مواقف متناقضة تجمع بين الحزن والفرح فى وقت واحد.

فى الصباح كنت أودع قريبًا عزيزًا إلى مثواه الأخير، صلاة جنازة وتشييع جثمان ومشاعر ثقيلة على القلب، دموع مختبئة خلف صمت طويل. كنت أتصور أن اليوم سينتهى على هذا الحزن العميق، لكننى فوجئت بواجب آخر فى مناسبة فرح لأشخاص لا ذنب لهم فيما أمرّ به، وكان عليّ أن أبتسم وأشاركهم ابتهاجهم رغم ما فى داخلى من وجع.

فى تلك اللحظة تذكرت كلمات والدى رحمه الله فى مثل هذه المواقف: «ده بتاعنا وده بتاعنا ومحدش له ذنب» شعرت كم كانت حكمته عميقة؛ فالحياة لا تتوقف، والناس لكلٍّ منهم ظروفه، والمجاملات فى مجتمعنا ليست ترفًا بل هى خيط يربطنا ببعضنا مهما كانت الضغوط.

أجد نفسى أحيانًا أعيش دورًا مزدوجًا كأننى ممثل فى مشهدين متناقضين؛ وجه حزين فى مكان ووجه مبتسم فى آخر، كأننى أستعير شخصية «رأفت الهجان» فى القدرة على تبديل الوجوه فى لحظات قليلة. إنه شعور مرهق، لكنه أصبح جزءًا من تربيتنا الاجتماعية ومن قيم المشاركة التى نشأنا عليها.

هكذا هى الحياة، لا تأتى الرياح بما تشتهى السفن. يبقى علينا أن نتعامل مع هذه الضغوط، أن نحافظ على إنسانيتنا وسط تقلبات الأيام، وأن نحاول قدر الإمكان أن نكون أوفياء لكل من حولنا مهما كان الألم فى داخلنا.

رسالة بخط اليد!

الخميس:

ستظل الصحافة الورقية، مهما طال الزمن أو قصر، محتفظة برونقها الخاص وبقارئها المخلص الذى يبحث عنها ويقدّرها. فبرغم صخب المواقع الإلكترونية وضجيج منصات التواصل الاجتماعى، تبقى لها مكانتها وهيبتها، ويظل قارئها مختلفًا؛ يتميز برؤية أعمق وتحليل أرقى وتعليق جاد ومحترم، بعيدًا عن سطحية ما نراه أحيانًا على الشاشات الصغيرة. وما زلت أذكر نصيحة أستاذى ومعلمى ورئيسى، الكاتب الصحفى الكبير محمد درويش - مدير تحرير «الأخبار» والمشرف على المقالات- حين قال لي: «احترم الناس، فحتى لو كان قارئًا واحدًا فقط سيطالع مقالك، عليك أن تمنحه كامل الاحترام». كانت هذه الجملة ولا تزال نبراسًا فى عملى الصحفى.

قبل أيام جاءتنى رسالة من بلد الطيبة والجمال أسوان، وبالتحديد من دراو، من القارئ السبعينى حسين حسنى محمد، راسلنى عبر البريد الإلكترونى طالبًا رقم الهاتف، ثم أرسل إليّ عبر «واتساب» مقطع فيديو يعبّر فيه عن رأيه فى يوميات «الأخبار» السابقة التى كتبتها تحت عنوان «العلاقات هل لها عمر». كانت المفاجأة أنه كتب رأيه بخط يده فى كشكول، بلغة عربية رصينة قد يصعب على كثير من الشباب - بل وبعض الصحفيين- صياغتها بهذه الدقة. تسع صفحات كاملة اجتهد فيها هذا القارئ السبعينى ليقول كلمته، ويسرد قصته عن العلاقات فى القرن الماضى، وكيف نجح فى بناء صلة مع أربعة أشخاص من جنسيات مختلفة (تونس والسعودية وقطر وسوريا)، ساعدته على السفر والعمل بإحدى الدول العربية، وما زال على تواصل معهم حتى الآن. أليست هذه وحدها شهادة حيّة على أن الصحافة الورقية ما زالت قادرة على لمس القلوب والعقول، وأن قارئها سيظل مختلفًا؟

220 يوماً

الجمعة:

شاءت الصدفة أن يكون لى أنا وزوجتى موعدٌ ثابت بعد الغداء: جلسة هادئة لمشاهدة مسلسل جديد بدلًا من مسلسل الثامنة مساءً، يليه «حديث الروح» ثم نشرة التاسعة كما اعتدنا فى طفولتنا وأيام بيوتنا القديمة، ذلك الطقس الذى كان يمنحنا دفئًا واطمئنانًا.

لكن الآن تغيّر كل شىء؛ حلَّ محلّ ذلك اشتراك على الشبكة العنكبوتية يتيح لنا مشاهدة المسلسل بلا إعلانات ولا انتظار، فنشعر وكأننا نمتلك وقتنا نحن ونتحكم فى إيقاع يومنا.

كان اختيارنا هذه المرة مسلسل «220 يومًا» للرائعين أحمد فهمى وصبا مبارك. وجدت نفسى مشدودًا إلى كل مشهد فيه؛ أحمد فهمى قدّم دور مريض السرطان فى عزّ شبابه وقوته، والأدهى أنّه ينتظر مولودته ويعيش صراعًا بين الأمل والخوف.

لم يكن تمثيلًا عاديًّا، بل تجسيدًا عميقًا لما يدور فى رأس الإنسان حين تهوى به الحياة من قمّة النجومية والقوة والشهرة إلى أضعف لحظاته وأكثرها صدقًا مع ذاته.

كنت أراقب باندهاش نظرته لزوجته التى وقفت معه بكل حبّ ورقّة رغم محاولات العلاج الفاشلة، وأفكّر فى ملامحها المرهقة ودموعها المكبوتة.

تأمّلتُ: حين يُصاب المرء بالمرض فى سنّ متقدّمة يكون الألم أهون قليلًا، فالأولاد قد اشتدّ عودهم، والإنسان يكون قد أتمّ كثيرًا من أهدافه وتخفّ وطأة المسئولية عنه. لكن أن يأتيك المرض وأنت فى عزّ قوّتك وأحلامك، فهذا اختبار قاسٍ بكل معنى الكلمة، اختبار يكشف جوهر العلاقات ويعرّى هشاشة اللحظات السعيدة. وهذا ما نجح النجم فى نقله إلينا على الشاشة بصدق يلامس القلب.

السيناريو والحوار كانا على قدر هذه القصة الموجعة، ينسابان بسلاسة ويضعان المشاهد فى قلب الحدث الحياة كلها قصص، لكنى أشهد - من جديد- على قسوة المرض حين يخطف الشباب فى ذروة أحلامهم، ويجعلهم فجأةً وجهاً لوجه أمام هشاشة الحياة وقيمتها الحقيقية.

أنت مراقَب

السبت:

أصبح شعور المراقبة على مواقع التواصل الاجتماعى أمرًا معتادًا لدى الكثيرين من الأهل والأصحاب؛ نتحدّث عن أمرٍ ما مرّة واحدة، ثم نفاجأ بإعلاناته أمامنا فى كل مكان، وكأنّها تخرج من أفكارنا قبل كلماتنا قد أكون مسالمًا بطبعى، لكنّى واثق أن الموبايل فى يد كل واحد منّا ما هو إلا جهاز تنصت صغير نحمله طواعيةً فى جيوبنا، ونفتحه بأيدينا بكل اطمئنان.

آخر المواقف كان مع زوجتي: كنّا نتحدّث بهدوء، وفجأة فوجئت بأن أحد مواقع التواصل الاجتماعى يرسل لها إشعارًا يخبرها بأن أفضل وقت لكتابة أى منشور هو يوم الأحد فى الفترة المسائية، حيث يكون عدد كبير من أصدقائها متاحين للتفاعل والتعليق على المحتوى الذى تقدّمه ومشاركته على نطاق أوسع.
سكتنا قليلًا ونظرنا إلى بعضنا وكأنّنا مراقَبون فعلاً.

تساءلت فى نفسي: لمَ يقدّم الموقع «نصيحة» كهذه؟، هل هو اهتمام صادق بالمستخدمين، أم خطوة محسوبة بدقة لجذبنا أكثر وإبقائنا تحت الضوء، وجمع مزيد من البيانات؟ ذلك الشعور بالعين الخفية التى تتابع كل حركة بات جزءًا من يومنا الرقمى وأحاديثنا اليومية من دون أن نشعر.

لحظة:

من أرادنا أردناه، ومن نسانا تركناه، ومن اشترانا زدناه، ومن وفانا كرّمناه، ومن أكرمنا عزّزناه.