في عيد الأم.. حكاية إيزيس أم الآلهة وحارسة العرش 

موضوعية
موضوعية


تحتضن قاعات متحف آثار الغردقة مجموعة مميزة من القطع الأثرية التي تعكس عبقرية الفنان المصري القديم وقدرته على تجسيد المعتقدات الدينية في أعمال فنية خالدة، ومن بين هذه الكنوز يبرز تمثال برونزي للمعبودة إيزيس وهي تحتضن طفلها حورس وترضعه، في مشهد يجسد مفهوم الأمومة والحماية في العقيدة المصرية القديمة، ويعيد إلى الأذهان مكانة إيزيس كرمز للحب والوفاء والقوة عبر آلاف السنين.

اقرأ أيضا | متحف الغردقة.. نافذة على تاريخ مصر وحضارتها من خلال 2000 قطعة أثرية نادرة

مع اقتراب الاحتفال بـ عيد الأم، يسلط متحف آثار الغردقة الضوء على إحدى القطع الأثرية المميزة في مجموعته، وهي تمثال برونزي للمعبودة إيزيس جالسة تحتضن وترضع طفلها حورس، في صورة تعكس بوضوح مكانة الأمومة في الفكر الديني للمصريين القدماء.

ويُعد هذا التمثال مثالاً بارزاً على براعة الفنان المصري القديم في التعبير عن المشاعر الإنسانية في إطار ديني، حيث تظهر إيزيس في هيئة أم حانية ترعى ابنها، وهو المشهد الذي أصبح رمزاً للأمومة والحماية في الحضارة المصرية.

وتُعد المعبودة إيزيس واحدة من أهم الآلهة في الديانة المصرية القديمة، إذ ارتبط اسمها بأسطورة الإله أوزوريس الشهيرة، حيث كانت شقيقته وزوجته الوفية التي سعت إلى إعادة إحيائه بعد مقتله، كما أنجبت منه ابنهما حورس، الذي أصبح الوريث الشرعي لعرش والده، وهو ما منح إيزيس مكانة خاصة باعتبارها أم الملك الإلهي.

وقد ظهرت إيزيس لأول مرة في النصوص المصرية خلال عصر المملكة القديمة، حيث كانت إحدى الشخصيات الرئيسية في أسطورة أوزوريس التي شكّلت جزءاً أساسياً من المعتقدات الدينية في مصر القديمة، ومع مرور الزمن اتسعت عبادتها بشكل كبير، خاصة خلال العصرين البطلمي والروماني، لتصبح واحدة من أكثر الآلهة انتشاراً داخل مصر وخارجها.

وكان المصريون القدماء يعتقدون أن إيزيس تمتلك قوى سحرية عظيمة، فهي التي حمت ابنها حورس في طفولته وساعدته حتى تمكن من استعادة عرش أبيه، كما اعتقدوا أنها ترشد الموتى في رحلتهم إلى العالم الآخر، وتساعدهم على الوصول إلى الحياة الأبدية.

كما ارتبطت إيزيس أيضاً بدور الأم الحامية للبشر، حيث اعتقد الناس أن تعاويذها السحرية قادرة على الشفاء وحماية الأطفال، ولذلك انتشرت عبادتها بين عامة الشعب، وليس فقط داخل المعابد الملكية.

وغالباً ما صُوّرت إيزيس في الفن المصري القديم في هيئة امرأة بشرية ترتدي تاجاً على شكل عرش فوق رأسها، وهو الرمز الذي يشير إلى اسمها ومكانتها، ومع مرور الزمن، وخاصة خلال عصر المملكة الحديثة، بدأت إيزيس تكتسب بعض السمات التي كانت تخص المعبودة حتحور، فأصبحت تُصوَّر أحياناً وهي ترتدي قرص الشمس بين قرني بقرة، وهو الرمز المعروف لحتحور.

وفي العصر الهلنستي، عندما حكم اليونانيون مصر بعد قدوم الإسكندر الأكبر، ازداد انتشار عبادة إيزيس بشكل كبير، وامتدت إلى مناطق عديدة من البحر المتوسط، وفي تلك الفترة عبد المصريون واليونانيون معاً إيزيس إلى جانب الإله الجديد سيرابيس، الذي جمع بين عناصر من الديانة المصرية واليونانية.

كما أضاف اليونانيون إلى شخصية إيزيس بعض الصفات التي ارتبطت بآلهتهم، مثل حمايتها للبحارة والسفن في البحر، فضلاً عن دورها في حماية الزواج والأسرة، وهو ما ساعد على انتشار عبادتها في أنحاء واسعة من العالم القديم،
ويظل تمثال إيزيس وهي ترضع حورس واحداً من أكثر الرموز الفنية تأثيراً في الحضارة المصرية، إذ يجمع بين البعد الديني والإنساني في آن واحد، ويعكس تقدير المصري القديم للأم ودورها في حماية الأسرة واستمرار الحياة.