آية محمد عبد المقصود
في بعض الموروثات الشعبية يقال إن لكل إنسان نصيبًا من اسمه، فالريهام في اللغة العربية يعني المطر الهادئ المستمر دون عواصف، هكذا أصبح حضور الفنانة الجميلة ريهام عبد الغفور في الدراما المصرية، فقد تميزت ريهام في السنوات القليلة الأخيرة بالأداء الهادئ الناضج بعيدًا عن الضجيج واللهث وراء “التريند”، ربما هذا ما جعلها تنفرد بحضورها الفني سواء في الماراثون الرمضاني أو حتى خارجه، لتصبح الحصان الأسود لكل المواسم الدرامية.
هذا ما أكسبها حب واحترام الجمهور والنقاد على حد سواء، حيث أصبحت خطواتها الدرامية مدروسة وثابتة، ولهذا أصبح النجاح مستمرًا ومتواصلًا.
تحررت ريهام من حضورها الشكلي كامرأة جميلة، فكان من الممكن أن تحصرها ملامحها الملائكية التي عرفت بها في بداية مشوارها الفني في نوع معين من الأدوار، لكنها كانت على قدر من الوعي جعل اختياراتها أكثر عمقًا ونضجًا، منحها فرصة حقيقية لإظهار تلك الموهبة التمثيلية وتطويرها، مما جعل ظهورها على الشاشة أكثر تأثيرًا وحضورًا.
ومع هذا الموسم الرمضاني الذي شهد حالة من الثراء والتنوع في عدد كبير من الأعمال الرمضانية، استطاعت “حكاية نرجس” التي عرضت في الجزء الثاني من شهر رمضان أن تصبح الأكثر مشاهدة بعد عرض أولى حلقاتها، فقد أصبحت هناك ثقة متبادلة بين ريهام وجمهورها، وهذا قليلًا ما يحدث على الأقل في الوقت الحالي.
“حكاية نرجس” مستوحاة من قصة حقيقية، تعود إلى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي،
والتي تعد واحدة من أكثر قضايا خطف الأطفال حديثي الولادة التي أثارت ضجة كبيرة في مصر آنذاك، حيث كانت “عزيزة بنت إبليس” سيدة من محافظة الإسكندرية، لكن حياتها تحولت إلى مأساة بسبب عجزها عن الإنجاب.
لم تكن “حكاية نرجس” حكاية امرأة عادية حُرمت من نعمة الأمومة فقط، لكنها حولتها الظروف الاجتماعية والمحيطون بها إلى “مجرمة” ترتكب جريمة شيطانية.
ولكن المفارقة هنا.. لماذا تعاطفنا مع نرجس على الرغم من أفعالها الصادمة؟
وكيف لا نتعاطف معها ونحن أمام أم قليلة الحيلة، تبكي وترفع يدها إلى الله أن يحمي طفلها ويعود إلى حضنها مرة أخرى، وترفض أن تتركه وحيدًا داخل “الحضانة”، وعلى استعداد أن تتحمل هي الألم بدلًا منه؟
هذا واحد من أكثر المشاهد التي أظهر فيها الجمهور تعاطفه مع نرجس على الرغم من معرفته بجرمها.
لم تكن فطرتنا هي “الشر”، فنحن نولد أنقياء، وحدها الضغوط النفسية والمجتمعية هي من تدفعنا إلى طرق مظلمة، ولهذا أبرز العمل دور الأسرة في تشكيل شخصية نرجس، فالضغوط النفسية التي مارستها والدتها كانت الشرارة الأولى للأزمة، وكأن المرأة لم تكتمل قيمتها إلا بالإنجاب، ولهذا سلط الضوء على الضغط الأسري أولًا والمجتمعي ثانيًا، بالإضافة إلى هشاشة شخصية البطلة، التي كانت سببًا آخر لانجرافها نحو ارتكاب جرائمها.
فماذا لو كانت واجهت نرجس كل هذا التخلف والجهل ووقفت صامدة في وجه الجميع؟
ماذا لو كانت تمتلك نازعًا دينيًا قويًا؟ ربما تمكنت من مواجهة كل هذا العنف الذي مورس عليها.
لست من المدافعين عن نرجس وأمثالها، ولا أبرر وجعًا وحرجًا في قلوب أمهات فقدن أطفالهن على مدار سنوات، ولكن أعترف أنني كنت من هؤلاء الذين وقعوا تحت تأثير نرجس، أتعاطف تارة وأستشيط تارة أخرى، فهذا التذبذب بين الرفض والتعاطف جعل الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة لنا كمشاهدين، كيف نتعاطف مع نرجس على الرغم من كل أخطائها؟
ربما صياغة المؤلف عمار صبري لحدوتة نرجس بكل تفاصيلها الدقيقة أضفت على المسلسل واقعية وعمقًا نفسيًا كبيرًا، ليصبح المشاهد على قدر كبير من الوعي بما يقدم من أعمال فنية، يبحث من خلالها عن المصداقية والبعد عن المبالغة.
وأخيرًا يُحسب لريهام عبد الغفور جرأتها في تقديم هذه النوعية من الأدوار التي قد تدفع جمهورها إلى كرهها أحيانًا، لكنها ببساطة شديدة تثبت دائمًا، وعلى مدار سنوات قدمت خلالها أعمالًا درامية مميزة، أن لديها شجاعة فنية كبيرة، فالاقتراب من هذه النوعية من الأدوار المركبة به تحدٍ كبير، أثبتت من خلاله نضجها الفني وموهبتها الفريدة.
وأخيرًا، قبل أن تكسب ريهام الرهان على نجاحها وحب وثقة الجمهور بها، كسبت نفسها أولًا، حيث أصبحت قادرة على اختيار أدوار تشبعها فنيًا وتتماشى مع موهبتها الكبيرة، ولهذا سيكون هناك تحدٍ كبير مع نفسها، وسيكون جمهورها في انتظار مستمر، وعليها أن تعرف أن الجمهور دائمًا “طماع” يريد أن يرى الأفضل دائمًا..
وفي النهاية.. تعيش ريهام ويعيش فنها.
اقرأ أيضا: محمد إبراهيم يسري يتألق في «حكاية نرجس».. والجمهور يشيد بأدائه
حمزة علاء الدين .. صاحب العود الذى حمل ذاكرة النوبة إلى الغرب
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»







