تذكرت بالخير تلك الأيام المنيرة بناسها وونسها والتى لايزال بعض أبطالها أحياءً أطال الله فى أعمارهم، ومنهم جميلتى التى عرفتها منذ طفولتى المبكرة فريدة الشوباشى، وهى سيدة ينطبق عليها القول بأنها بألف رجل، أحببت هذه السيدة التى كنت أعتبرها لا قريبة منا ولكن قريبة لنا، فهى سيدة شديدة الذكاء وهبت العمر كله فى العمل العام واضطرتها ظروف قاهرة لكى تبحث عن مصدر للرزق خارج الحدود، وذهبت لعاصمة النور والفنون باريس وعملت فى واحدة من أهم الإذاعات الناطقة بالعربية مونت كارلو، وكانت تقدم أهم برنامج إخبارى إذاعى يومى، وأصبحت من الأصوات التى يتوحد حولها العرب فى كل مكان فى تلك الأيام، وارتبطنا بذلك الصوت الدافئ الخارج من حنجرة مصرية أصيلة تتحدث كل اللغات واللهجات ولكن بصبغة مصرية خالصة، وكانت العمة فريدة وزوجها الرائع على الشوباشى الإعلامى الكبير القادم من أسرة لها باع عظيم فى عالم الفنون والسياسة ودفع ثمنًا باهظًا لمواقفه وراء القضبان فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، ومن هنا عرف السعدنى الكبير الذى كان زبونًا دائمًا فى معتقلات الخمسينيات والسبعينيات، وظلت العلاقة التى تربط السعادنة بالأسرة الشوباشية راسخة قوية حتى آخر يوم فى حياة الولد الشقى السعدنى الكبير والعم صلاح ألف رحمة ونور، أعادتنى العمة فريدة لذكريات ممتعة لا حصر لها وخصوصًا ما جرى ذات يوم فى فندق الرشيد عندما ذهبت لتلتقى بالسعدنى الذى ذهب للعراق فى مهمة إعادتنا للجامعة العراقية بعد أن رفضت جامعة القاهرة طلبنا لاستكمال الدراسة، يومها جاءت فريدة لزيارتنا بالعراق وعلى طريقة الفلاش باك، طلبت من السعدنى أن يروى لها حكاية تعطل عجلات طائرة ناصر وهى تستعد للهبوط فى مطار طرابلس، وحكى السعدنى كيف مرت النصف ساعة كأنّها دهر، وقد فشلت عدة محاولات لنزول العجلات، وسأل عندها السعدنى، السيد محمد أحمد عن الحل فقال ح نفضل طايرين لحد نفاد الوقود ثم نعطل اضطراريًا، ونفتح الأبواب وكله ح يجرى، ونسى السعدنى الخوف من المصير الأغبر والموت المؤكد الذى ينتظر كل الركاب، وقال طيب هو عبد الناصر ح يجرى يا عمنا، ورغم الظرف المأساوى ضحك الرجل وهو يقول هو ده وقته يا محمود، ولله الحمد تحرك العجل وهبط الجميع بسلام، وبعد هذا اللقاء بأكثر من ٤٠ سنة كتبت العمة فريدة، الحكاية فى كتابها الممتع «الحياة فى عربة مترو».
يا أيتها الجميلة لا يلقى بالحجر إلا المثمر من الشجر، وأنت كبيرة المقام عظيمة الثمار ولا يضيرك أن يلقيك الصغار بالطوب والحجارة. دمت جميلة فريدة على الدوام.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







