في الواحات المصرية بمحافظة الوادي الجديد، تكشف مقابر البجوات عن جانب آخر من التاريخ المصري، حيث عاش أقباط مصر الأوائل بعيدًا عن أعين الأباطرة الرومان، ليحافظوا على دينهم وتراثهم.
هذه الجبانة، التي تجمع بين العمارة والفن والكتابات التاريخية، تحكي قصة البقاء والإبداع في أصعب الظروف، لتصبح اليوم شهادة حية على حياة المسيحيين الأوائل في صحراء مصر.
تقع مقابر البجوات خلف معبد هيبس بمدينة الخارجة، ويعود تاريخها من القرن الثاني الميلادي حتى القرن السابع الميلادي، سميت "البجوات" نسبة إلى كلمة "قبوات"، أي القباب، في إشارة إلى القباب التي تعلو كل مقبرة، هذه المقابر المبنية من الطوب اللبن تمثل أوائل العصر المسيحي في مصر، حيث فر الأقباط إلى الصحراء هربًا من الاضطهاد الروماني، ليقيموا مجتمعًا آمنًا بعيدًا عن السلطة الإمبراطورية.
تتميز الجبانة بتصميم يشبه المدينة المهجورة، حيث تحتوي على 263 هيكلًا معظمها مزخرف من الخارج، وقباب مزينة بمناظر مستوحاة من التوراة والقصص المسيحية، مصوغة بأسلوب الفريسكو الذي يجمع بين الألوان والماء.
ورغم هشاشة هذا الأسلوب، فإن الجو الجاف للصحراء ساهم في الحفاظ على هذه المناظر لقرون عديدة.
كما تزخر المقابر بالآلاف من الكتابات بلغات متعددة تشمل الإغريقية، اللاتينية، القبطية، والعربية، موثقة بذلك التواصل الثقافي والديني عبر العصور.
- من أهم معالم الجبانة:

مزار السلام المعروف برمز السلام على قبه، والذي يطلق عليه الباحثون الأوروبيون "المقبرة البيزنطية"، ومزار الخروج الذي يصور قصة خروج بني إسرائيل من مصر ومطاردة فرعون لهم، بالإضافة إلى مشاهد أخرى مستوحاة من العهد القديم، مثل قصة نوح وقربان إبراهيم.
تحتوي الجبانة أيضًا على مخربشات زوارها، والتي توثق قرونًا من التفاعل البشري مع المكان، حيث بلغ مجموع المخربشات 63، منها 29 عربية، 19 إغريقية، و12 قبطية، ويعود أقدمها إلى القرن التاسع الميلادي.
بجوار البجوات كشفت الحفريات عن بقايا مساكن عين سعف، والتي كانت المساكن الرئيسية لسكان الجبانة. أما الكنيسة المركزية، فتقع في قلب الجبانة وتطل على بلدة الخارجة القديمة، وتتكون من ثلاثة أروقة، ويُرجح أن تاريخ بنائها يعود إلى القرن الخامس الميلادي.
مقابر البجوات ليست مجرد مكان دفن، بل هي وثيقة حية تعكس الحياة اليومية والروحانية والخيال الفني للمسيحيين الأوائل، لتظل شاهدة على إبداع الإنسان وقدرته على الحفاظ على تراثه في قلب الصحراء المصرية.
اقرأ أيضا | السياحة والآثار: غرف عمليات لمتابعة الفنادق والمحال خلال عيد الفطر

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







