شهدت محافظة أسوان مبادرات إنسانية بارزة قادتها نساء من أبناء المحافظة، من بينها جهود نبيهه صلاح الدين محمد، الشهيرة بـ"مايسة" من مواليد عام 1970، التي كرست حياتها فى الأعمال الخيرية، منذ عام 2000 ، والتى تمثلت فى تجهيز العرائس اليتيمات بمساندة التاجر عم بشرى المسيحي.
هذا إضافة إلى دورها خلال جائحة كورونا في توفير وجبات ودعم المستشفيات عبر شبكة واسعة من المتطوعين، كما برز دورها في مدينة نصر النوبة، التي نجحت في جمع تبرعات لشراء ميكروباص لنقل مرضى الكلى من القرى البعيدة، لتؤكد هذه النماذج أن التكافل المجتمعى في أسوان قادر على مواجهة الأزمات وتقديم حلول عملية للمجتمع.
وتنتمي نبيهه إلى قرية "الدر" النوبية، من أسرة ميسورة الحال ورثت منها قيم العطاء،جدتها كانت تطبخ للفقراء المارين أمام البيت الكبير، ومن والدها كان يقوم بكثير من الاعمال التطوعيه هذه البيئة غرست فيها حب الخير والعمل التطوعي منذ الصغر، لتصبح جزءًا من تكوينها الشخصي، قائلة : "كنت أشوف جدتي وهي تقول لأي غريب في الشارع: تعال كل، تعال افطر" بلا مقابل، تربينا على أن العطاء لله وحده."
في بداية حياتها الزوجية، ارتبطت بابن عمتها الدكتور أشرف مكاوي، استشاري الأنف والأذن والحنجرة فى محافظة أسوان،حيث كان زواجها نقطة تحول، إذ وجدت في زوجها داعمًا أساسيًا لمسيرتها المجتمعية. تقول: "جوزي كان دايمًا في ظهري، أي حاجة بعملها هو معايا" هذا الدعم منحها القدرة على التوازن بين مسؤوليات الأسرة والعمل التطوعي.
وتعود نبيهه بذاكرتها إلى عام 2000، حين كانت تقف في شرفة منزلها بمنطقة العقاد، لفت نظرها فتاة صغيرة تتأمل البلكونات بحثًا عن شقق لتقوم بتنظيفها بمقابل مادى، الفضول دفعها للنزول والتحدث معها، لتكتشف أن الفتاة تعيش ظروفًا قاسية: والدها بُترت ساقه بسبب مرض السكري، الأسرة بلا دخل، والخطوبة التي تكررت أكثر من مرة انتهت بالفشل بسبب العجز عن تجهيز أبسط متطلبات الزواج.
تقول نبيهه: "القصة دي هزتني من جوه. نفس الليلة نزلت ومعايا 300 جنيه، ورحت لعم بشرى المسيحي، تاجر الأجهزة الكهربائية اللي كنت أتعامل معاه، حكيت له القصة، ومن غير تردد ساعدني، جهزنا غسالة وبوتاجاز ومطبخ، وحتى أنبوبة الغاز أعطاها هدية."
حين وصلت نبيهه مع الفتاة إلى بيتها، كان المشهد مؤثرًا: الزغاريد تملأ المكان، الأم والأخوات يحتفلن وكأنها ليلة عرس. تقول: "من اليوم ده أخدت عهد على نفسي إن أي عروسة محتاجة هكفلها."
على مدار خمس سنوات، استطاعت نبيهه تجهيز أكثر من ألف عروسة يتيمة، بفضل شبكة من المتبرعين والداعمين، كان عم بشرى أحد أعمدتها الأساسية. تقول: "أنا مشيت في الشغل ده من موقف واحد، ومن يومها بقيت كل قصة عروسة جديدة بداية لفرحة جماعية."
عم بشرى المسيحي.. شريك في الخير..
لم يكن عم "بشرى "مجرد تاجر أجهزة منزلية، بل تحول إلى شريك دائم في رحلة نبيهه. تقول: "كان يقولي خدى اللى انتى عاوزاه ولو محتاجة سلفة عشان تجهزي عروسة، خدي وبعدين نتحاسب، هذه العلاقة تجاوزت حدود التجارة لتصبح علاقة إنسانية قائمة على الثقة والتكافل، لتعكس روح التعايش بين المسلمين والمسيحيين في أسوان.
حين اجتاحت الجائحة العالم، لعبت نبيهه دورًا بارزًا في أسوان، أنشأت مع زوجها صفحة "معًا نواجه كورونا"، التي جمعت آلاف المتطوعين من أسوان حتى إدفو، كانت تدير مجموعة من المتطوعين والتبرعات: أجهزة أكسجين، مطهرات، أدوات تنظيف، ووجبات يومية للأطباء والمرضى. وتغسيل وتكفيف الموتى.
في عش الزوجية بمنطقة العقاد، تحولت الغرف إلى مخزن ومطبخ جماعي، حيث كانت النساء يجهزن المحشي والمكرونة، بينما الشباب يوزعون العصائر الطازجة على المستشفيات قائلة: "كنت يوميًا أطبخ 300 وجبة، وأوزعها على المستشفيات والعزل المنزلى ومع كل وجبة نضع استيكر دعم: (هانت يا بطل.. إحنا معاكم)."
أحد المرضى نشر صورة لعلبة الطعام على فيسبوك وكتب: "الكلمة الصغيرة دي هي اللي رفعت معنوياتي وأنا في عز المرض." ذلك الموقف كان من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياتها.
كشف أحمد جلال، من أبناء نصرالنوبة أن فى عام 2014 واجه مركز غسيل الكلى في مدينة نصر النوبة مع بداية تشغيله أزمة حقيقية في نقل المرضى من القرى البعيدة مثل بلانة وأبوسمبل، حيث لم تكن السيارات الصغيرة المعروفة بـ"تمنايه" كافية لتغطية الأعداد الكبيرة من المرضى، والتي تجاوزت في بعض الأيام أكثر من أربعين مريضاً في الشفت الواحد.
هذه المعاناة اليومية دفعت الأهالي إلى البحث عن حلول بديلة، وجاء الحل بشكل غير متوقع عبر مبادرة إنسانية قادتها "مايسة" بمشاركة أبنائها وعدد من أصدقاء أطفالها، وذلك بعد موافقة أولياء أمورهم. وخلال شهرين فقط، تمكنوا من جمع تبرعات بلغت 100 ألف جنيه، استُخدمت في شراء ميكروباص جديد لنقل المرضى من القرى إلى المركز.
لم يكن الطريق سهلًا، واجهت نبيهه شكوك البعض الذين ظنوا أن وراء العمل التطوعي مصالح شخصية، لكنها كانت ترى أن العطاء لله وحده، وأن التجربة أثبتت أن المجتمع قادر على مواجهة الأزمات إذا توحدت الجهود تقول: "الناس ساعات ما بتفهمش إنك بتعمل حاجة لله، لكن أنا كنت واثقة إن ربنا شايف."والناس مع الوقت بتفهم.

من سرير العلاج إلى منبر الصحة العالمية .. حكاية «طه» الذي هزم السرطان ولم يتخلَّ عن حلمه
مجلس جامعة الدلتا التكنولوجية يناقش خطط التطوير
محافظ الدقهلية يتابع حملة النظافة الموسعة بسندوب ورفع تعديات الباعة الجائلين





