وحدى: حين يكون الغيابُ افتتاحاً

وحدى
وحدى


على مكى

غيابُ التقديم بوصفه بياناً شعرياً

تأتي مجموعة «وحدي» للدكتور علي الرباعي بلا تقديم، ولا إهداء، ولا حتى فهرس يدل القارئ على عناوين القصائد وأرقام صفحاتها هذا الغياب ليس تفصيلاً شكلياً، بل يبدو كأنه جزء من البنية الداخلية للنص فالشاعر الذي يختار أن يترك كتابه بلا عتبات إرشادية، إنما يدفع القارئ إلى الدخول مباشرة في المتن، إلى مواجهة الصوت الشعري دون وسائط.

إنها مجازفة محسوبة؛ لأن القارئ لا يتكئ على مقدمة تفسر أو تمهد، بل يجد نفسه في مواجهة «البيت» منذ اللحظة الأولى وكأن الرباعي يقول إن القصيدة هي تعريفها الوحيد، وإن الانتماء للنص يبدأ من داخله لا من هوامشه.
 

العنوان بين الداخل والخارج

لا يحمل الكتاب عنوان إحدى قصائده، بل يستعير كلمة «وحدي» من داخل أول نص بعنوان «بيت» يقول:

في البيت لي بيتٌ وأكثر

أنتمي «وحدي» إليه


العنوان هنا ليس اسماً لقصيدة، بل حالة وجودية تتسرب من بين سطور النص الأول «وحدي» ليست عزلة، بل صيغة انتماء فالشاعر لا يقول إنه وحيد، بل يقول إنه ينتمي وحده، أي أنه يختار انتماءه بوعي.

ومن اللافت أن هذا الانتماء يتدرج:

«لي دفتر»،

«لي كاتب»،

«لي أنت يا وطني».

يتصاعد الامتلاك من الخاص إلى العام، من الدفتر إلى الوطن. وتنتهي القصيدة بجملة حاسمة:

لي أنت يا وطني


بدونك كل هذا الكون تيه

هنا تتحول «الوحدة» إلى هوية وطنية. فلا معنى للكون دون هذا الارتباط. الوحدة إذن ليست انقطاعاً، بل تركيزاً للانتماء في مركز واضح.

البيت ككائن حي

في قصيدة «انتماء» يعود مفهوم البيت، لكنه يتخذ بعداً آخر:

ينتمي البيت لي

وينادي إذا ما اشتياقي أزف

الانتماء هنا متبادل ليس الشاعر فقط من ينتمي إلى البيت، بل البيت أيضاً ينتمي إليه بل أكثر من ذلك، يناديه، يحن إليه، ويبكي إن فرقتهما الصدف.

يبلغ التشخيص ذروته في قوله:

ومتى شعر البيت بالخوف

وزعت روحي بين الغرف

البيت كائن يخاف، والشاعر روح تتوزع لحمايته هذا التبادل العاطفي يعكس رؤية إنسانية للفضاء؛ فالمكان ليس جدراناً، بل ذاكرة وروحاً ومشاركة وجدانية.

ويتأكد هذا المعنى بالمقارنة الدقيقة:

«مثلما تنتمي طفلة لأبيها الأنف

مثلما تنتمي همزة لألف».


التشبيه الأخير بالغ الدقة؛ فالهمزة لا تستقيم دون الألف، كما أن الطفلة لا تكتمل دون أبيها الانتماء هنا بنيوي، لا عاطفي فحسب.

الأم بوصفها دفئاً كونياً

في «أمي» تتجلى صورة الأم بعيداً عن الخطابة. لا يصفها الشاعر بكلمات مباشرة عن الحنان، بل يرسم مشهداً حياً:

كلما أوشك الدفء أن ينقصني

سرحت تحتطب


الفعل «سرحت تحتطب» يحيل إلى مشقة يومية، إلى حركة واقعية لا إلى عاطفة مجردة. الأم هنا ليست رمزاً بل فاعل حياة.

ثم تتوالى الصورة:

لفت الحبل (أمي) على رأسها

وعلى كتف فأسها

والعيون تناجي السحب

تتجاور الواقعية مع الشعرية؛ الحبل والفأس يقابلان مناجاة السحب. وفي لحظة اشتعال النار:

وإذا شبت النار نرقص حول المشب

ويعلو غناء اللهب

النار تتحول إلى غناء، والمشهد الريفي يتحول إلى احتفال بالحياة الأم ليست فقط مصدر دفء، بل مصدر إيقاع وذاكرة جماعية.

الوردة ومفهوم الكرامة

قصيدة «وردة» من النصوص المكثفة التي تعكس فلسفة الرباعي في الكرامة والحرية يقول:

هممت بتخليصها

كي أقيها شراسة كف الشتاء الضرير

الفعل هنا يبدو إنقاذاً، لكن الرد يأتي مفاجئاً:

فدارت وقالت:

أقاوم جهدي

فموتي على الأرض أبقى


من الموت في باقة


يحتويها برود الشعور

الوردة ترفض أن تتحول إلى زينة باردة. تفضل الموت في تربتها على حياة شكلية في باقة.

هذا الموقف يعكس رؤية أخلاقية عميقة: الكرامة أهم من البقاء الشكلي. والحرية أولى من الحماية التي تسلب الذات معناها.

الهوية فى مواجهة الكتابة

في «عني» يطرح الشاعر سؤال الهوية:

كلما أقرأ عني في كتاب

لا أجدني

هنا تتجلى مفارقة الوجود والتمثيل. الكتابة عن الذات لا تعني القبض عليها. الذات أوسع من أي سرد.

ويتابع:


لغتي حقل من الضوء


وأحلامي سحاب


وأنا لا أنتمي قطعاً لفجر الارتياب

اللغة هنا فضاء إشراق، لا أداة تعبير فحسب. والحلم سحاب، أي حركة وتحول. أما رفض «فجر الارتياب» فيؤكد انحياز الشاعر إلى اليقين الإنساني، إلى الثقة بالحب والأصحاب.

اقتصاد اللغة ووضوح الرؤية

من السمات اللافتة في «وحدي» بساطة العبارة دون تسطيح اللغة واضحة، لكن الصورة عميقة. لا يعتمد الرباعي على الغموض، بل على شفافية تتيح للقارئ أن يدخل النص دون عوائق.

التكرار المدروس لكلمات مثل «البيت»، «أنتمي»، «لي» يمنح النص وحدة داخلية وكأن المجموعة كلها تدور حول سؤال واحد: أين أنتمي؟ ومن أكون حين أنتمي؟

«وحدي» كصيغة جمع

رغم عنوانها، لا تبدو المجموعة معنية بالعزلة «وحدي» هنا صيغة اكتفاء لا انقطاع. الشاعر محاط بالبيت، بالأم، بالوطن، بالأصدقاء، باللغة. لكنه يختار أن يعرف نفسه من خلال هذا الوعي الفردي.

إنها وحدة ممتلئة، لا فراغ فيها

وحدة تعرف مصادر دفئها، وتتمسك بها، وتقاوم أن تتحول إلى باقة باردة في يد عابرة.

الوطن هو الخاتمة

«وحدي» ليست مجرد مجموعة شعرية، بل بيان انتماء هادئ. كتاب يبدأ بلا تقديم، كأنه يقول إن القصيدة كافية، وإن البيت الأول هو العتبة، وإن الوطن هو الخاتمة.

بين الأم والبيت، بين الوردة واللغة، تتشكل هوية شاعر يرى العالم من زاوية الضوء، ويرفض الارتياب، ويصر على أن الانتماء فعل اختيار.

بهذه الروح، تبدو «وحدي» رحلة إلى الداخل، لكنها في الوقت ذاته عودة مستمرة إلى الخارج، إلى الوطن، إلى البيت، إلى النار التي يغني لها اللهب.