داليا فهمى
يظل كحك العيد رمزًا خالدًا للبهجة والتآلف فى الثقافة المصرية، حافظًا على مكانته عبر آلاف السنين رغم تغير أشكاله وطرق صناعته، فإذا كان الماضى يحمل لنا دفء التجمعات العائلية حول «صاجات» الكحك وروائح الأفران البلدية، فإن الحاضر يقدم لنا سهولة الشراء وتنوع الأصناف التى تناسب إيقاع الحياة السريع.. وبين هذا وذاك، يبقى الجوهر واحدًا: فرحة العيد التى لا تكتمل إلا بقطعة كحك، وقصة تمتد جذورها فى عمق التاريخ لتصل إلى موائدنا كل عام.
اقرأ أيضًا| بمذاق زمان| خطوة بخطوة تعرفي على طريقة عمل كحك العيد ناعم
فى بعض الأحياء الشعبية التى ما زالت تتمسك بطقوسها القديمة لم تختف بعد فرحة الأطفال بالكعك و«لمة البيت» وطقوس «عمايل الكحك والبسكوت»، ما زالت صوانى العجين تُرص فوق الطاولات وتتعالى أصوات النقش بالمنقاش، وتختلط رائحة السمن البلدى بضحكات الجارات وهن يتبادلن الأدوار بين العجن والحشو والخبز هناك، لا يزال كعك العيد يُصنع فى البيوت كما كان طقسًا اجتماعيًا يسبق فرحة العيد ويصنعها.
لكن المشهد يتغير تدريجيًا فمع تسارع نمط الحياة، وخروج المرأة للعمل، وضيق الوقت، اتجه كثيرون إلى شراء الكعك الجاهز من المحال الكبرى والمخابز المتخصصة لتتحول «صناعة الكعك» من نشاط عائلى إلى صناعة تنافسية تبحث عن الابتكار والتميز.
قال أحمد السيد مدير أحد المحال المعروفة وسلاسل الحلويات الكبرى «لأعوام طويلة ظلت المعركة ثابتة بين أنصار الكعك بالملبن، وعشاق العجمية، ومحبى المكسرات، كانت الخيارات واضحة، والطعم مألوفًا، والهوية ثابتة لا تتغير، لكن فى السنوات الأخيرة ومع دخول جيل جديد من المستهلكين قرر الكعك أن يخوض مغامرة مختلفة دون أن يتخلى عن شكله التقليدى، فلم يعد غريبًا أن تجد فى علب العيد كعكًا بنكهة الريد فلفت، أو محشوًا بكريمة الفستق، أو بالشوكولاتة الداكنة، أو بالكراميل المملح».
وتابع قائلًا: «برزت أيضًا نكهات أكثر جرأة مثل كعك بنكهة القهوة التركية وأخرى بالمستكة، فى محاولة لدمج الروح الشرقية بلمسة عصرية تناسب أذواق الشباب وعشاق القهوة تحديدًا، التوجه هذا العام يسير نحو «المزج الذكى» بين التراث والتجديد، فالمستهلك لا يريد شكلًا صادمًا أو منتجًا غريب الهوية، بل يفضل الاحتفاظ بشكل الكعكة الموروث، مع مفاجأة ناعمة فى الحشوة».
وأضاف أن سعر كيلو الكعك السادة يتراوح ما بين 500 - 600 جنيه، فى حين يصل سعر الكعك بالنكهات المميزة إلى 900 جنيه للكيلو فأكثر خاصة مع التغليف الفاخر وتنوع التشكيلات داخل العلبة.. ومع تنوع الأشكال والحشوات تتسع الفجوة السعرية بين الكعك الشعبى ونظيره فى المحال الشهيرة.
وفى إحدى الأحياء الشعبية أكد الحاج رمضان السيد من شيوخ المهنة أن سر النجاح لا يكمن فى قلب الطاولة على الماضى بل فى تطوير التفاصيل، فالحفاظ على ملمس الكعك الهش، ورائحة السمن البلدى، وطراوته بعد الخبز، هو الأساس، أما التجديد فيأتى من الداخل: تنويع الحشوات، وتحسين جودة المكونات، وتقديم توليفات جديدة ترضى فضول المستهلك، وأضاف أن سعر كيلو الكعك السادة يبدأ من 110 جنيهات، بينما يتراوح سعر الكعك بالعجمية أو الملبن ما بين 150- 220 جنيهًا للكيلو بحسب جودة المكونات وتكلفة التشغيل.
وأشار إلى أن الكعك التقليدى لا يزال يحتفظ بمكانته الصلبة، فالكثيرون يعودون فى النهاية إلى «السادة» أو الملبن أو العجمية، باعتبارها النكهات المرتبطة بذاكرة الطفولة وبيوت الجدات.
المشهد اليوم ينقسم بين عالمين: عالم البيوت «المحدود جدا» التى ما زالت تُصر على صناعة كعكها بنفسها حفاظًا على الطقس وروح المشاركة، وعالم المحال التى تقدم علبًا فاخرة وتشكيلات واسعة تلائم الإهداء وتواكب «تريند» التصوير والمشاركة عبر مواقع التواصل، لكن رغم اختلاف المشهد يبقى القاسم المشترك واحدًا: الكعك ليس مجرد حلوى موسمية، بل ذاكرة تتجدد كل عام.
ومن الملبن والعجمية إلى الريد فلفت والقهوة والمستكة، قد تتبدل الحشوات وتتنوع الأسعار، لكن الكعكة نفسها تظل ثابتة فى شكلها، حاملةً رائحة السمن ودفء البيوت، لتؤكد أن العيد لا يُقاس بسعر الكيلو، بل بلحظة المشاركة.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







