حكايات : حراس الكنافة.. صناع ذاكـرة رمضان

صناعة خيوط الذهب تبدأ من الأفران الطين والصاج الساخن

صناعة خيوط الذهب تبدأ من الأفران الطين
صناعة خيوط الذهب تبدأ من الأفران الطين


فى كل رمضان، بين ضجة الموائد وزحام المحلات، تظهر فى أطراف المدن والقرى مشاهد لا تتغير، رجل يجلس أمام فرن من الطين، يمسك بكوز صغير، ويرسم خيوطًا ذهبية على صاج ساخن لا ماكينات، لا مصنع، لا ضجيج، فقط يد تعرف سرها، ونار هادئة، ورائحة تسبق كل إعلان وكل زينة.
الكنافة اليدوية لا تحتاج إلى موعد لتعلن عن نفسها حين تخرج من تحت يد مَن أتقن صنعها، تعرف من رائحتها وحدها أن رمضان هنا فعلًا، فى الفيوم وكفر الشيخ، رجلان يحملان هذا السر منذ سنوات، ويعيدان كل عام ما كاد ينسى. فى قرية دار السلام التابعة لمركز طامية بالفيوم، يجلس عم حسن مراد الشاهد، 63 عامًا، على الأرض أمام كومة من الطين والطوب اللبن، يخلطهما ببطء براحتيه، ثم يرفع عينيه ليتأمل الجدار الذى بدأ يرتفع أمامه، قد يبدو ما يفعله عم حسن عملًا عاديًا، بناء فرن بلدى، لكن الحقيقة أن ما يحدث هنا كل عام ليس مجرد بناء فرن، بل إعادة بناء ذاكرة كاملة لرمضان فى هذه القرية.
قبل أربعين عامًا، لم يكن عم حسن شيخًا ذا شعر أبيض كما هو الآن، كان شابًا بسيطًا يعمل عاملًا فى شركة الاتصالات، يقضى نهاره بين الأعمدة والأسلاك، ويعود فى المساء إلى قريته الصغيرة. لكن شيئًا واحدًا كان يشد قلبه دائمًا فى شهر رمضان رائحة الكنافة، التى كانت تصنع على الأفران البلدية القديمة، كانت الكنافة وقتها بسيطة مثل الناس، تصنع بيد خبيرة، وعلى نار هادئة، بأداة صغيرة تسمى كوز الكنافة تلك الرائحة لم تغادر ذاكرته، حتى جاء يوم قرر فيه أن يجرب بنفسه. جمع بعض الطين، وأقام فرنًا صغيرًا بجوار منزله، وأمسك بالكوز لأول مرة، ومنذ تلك اللحظة، لم تنقطع الحكاية، الغريب فى قصة عم حسن أن الفرن الذى يعمل عليه لا يعيش طويلًا، مدته شهر فقط، كل عام تقريبًا يهدمه، ثم يعيد بناءه من جديد بالطوب اللبن والطين، وبنفس الطريقة القديمة التى تعلمها منذ أربعين عامًا.
قال عم حسن وهو يربت على جدار الفرن بيده: «الفرن البلدى زى الإنسان، لازم يتعمل من أول وجديد»، وبعد أن يكتمل الفرن، تأتى اللحظة التى ينتظرها الجميع، يشعل عم حسن النار داخل الفرن، فتبدأ فى التوهج ببطء، ثم يضع الصاج الدائرى الكبير فوق الفتحة العلوية، يمسك بعدها كوز الكنافة، الأداة تبدو بسيطة، إناء صغير به ثقوب دقيقة، لكن فى يد عم حسن تتحول إلى ما يشبه آلة موسيقية، يسكب العجين، ثم يبدأ فى تحريك الكوز فى دوائر سريعة فوق الصاج الساخن، وفجأة تولد الخيوط الذهبية، خيوطًا رفيعة من العجين تتشابك فوق السطح الساخن، تتشكل فى دوائر متقنة، تتحول فى ثوانٍ إلى كنافة بلدية تفوح منها رائحة لا تخطئها الذاكرة. يقف بعض المارة صامتين، كأنهم يشاهدون عرضًا قديمًا يعرفونه جيدًا لكنهم لا يملون منه أبدًا. وعلى بعد مئات الكيلو مترات فى محافظة كفر الشيخ، يروى عبد السلام حمد قصة مشابهة لكنها تبدأ من حيث تنتهى قصة عم حسن. وبدأ حمد حديثه قائلًا «قررت هذا العام إقامة فرش لصناعة وبيع الكنافة اليدوية بسبب كثرة السؤال عليها خلال السنوات الماضية»، وتابع أنه كان مترددًا فى البداية، خائفًا من فشل التجربة لكن فى اليوم الأول من رمضان، بيعت الكمية كاملة قبل أذان المغرب بساعتين. المفاجأة الأكبر لم تكن فى حجم الإقبال، بل فى هوية المقبلين كان يتوقع أن يأتيه الجيل القديم، أصحاب الذاكرة والحنين لكن الشباب والأطفال كانوا الأكثر حضورًا، يريدون تذوق طعم لم يعرفوه من قبل، يختلف عن الكنافة الآلية المعلبة التى اعتادوا عليها فى محلات الحلويات.