«هذا لا يناسبني».. عبارة بسيطة لحماية الصحة النفسية ووضع الحدود

حماية الصحة النفسية
حماية الصحة النفسية


يرى خبراء علم النفس أن القدرة على قول «لا» بوضوح تعد مهارة أساسية للحفاظ على الصحة النفسية، وتشير دراسات حديثة إلى أن استخدام عبارات مباشرة مثل «هذا لا يناسبني» دون تقديم تبريرات أو اعتذارات قد يساعد الأفراد على وضع حدود شخصية واضحة وتقليل الضغوط العاطفية الناتجة عن محاولة إرضاء الآخرين.

اقرأ أيضا| فوائد إضافة النباتات داخل المطبخ.. لمسة جمالية وصحية في المنزل

اعتاد كثير من الأشخاص على تلطيف رفضهم للطلبات المختلفة من خلال تقديم الأعذار أو الاعتذارات، مثل قول «لا أستطيع لأن…» أو «كنت أتمنى ذلك لكن»، وغالباً ما ينتظر الشخص بعد ذلك تقييم الطرف الآخر لعذره، ما يفتح باب النقاش أو الجدل حول حقه في الرفض.


لكن وفقاً لما أورده موقع Global English Editing، يشير عدد من المتخصصين في علم النفس إلى أن عبارة أبسط وأكثر وضوحاً قد تكون أكثر فاعلية، وهي قول «هذا لا يناسبني» بهدوء ودون تفسير إضافي، فهذه العبارة تعد بياناً واضحاً للموقف دون ترك مساحة للتفاوض أو محاولة إقناع الشخص بتغيير رأيه.


ويرى خبراء أن كثيراً من الناس نشأوا على الاعتقاد بأن وضع حدود شخصية دون شرح أو تبرير يعد تصرفاً أنانياً أو غير مهذب، إلا أن هذه الفكرة غالباً ما ترتبط بتجارب مبكرة كان فيها رفض الطلبات يقابل بالتأنيب أو العقاب، ما جعل بعض الأفراد يشعرون بأن عليهم دائماً تبرير قراراتهم.


ويشير المعالج النفسي بيت ووكر، المتخصص في الصدمات النفسية المعقدة، إلى نمط سلوكي يُعرف باسم «استجابة التملق»، ويعد هذا النمط أحد ردود الفعل المرتبطة بالصدمة النفسية إلى جانب المواجهة والهروب والتجمد، حيث يسعى الشخص إلى إرضاء الآخرين باستمرار حتى على حساب احتياجاته وحدوده الشخصية.


ويؤكد ووكر أن بعض الأشخاص يتبنون ما يُعرف بنمط «الودود»، أي محاولة الحفاظ على العلاقات من خلال التوافق الكامل مع رغبات الآخرين، وكأن الدخول في العلاقة يتطلب التخلي عن الاحتياجات الشخصية، ويعتبر الخبراء أن هذا السلوك ليس مجرد لطف، بل قد يكون آلية بقاء نفسية تتشكل نتيجة تجارب سابقة.


كما تشير تقارير في دورية Psychology Today إلى أن الإفراط في شرح أسباب الرفض قد يضعف الحدود الشخصية بدلا من تعزيزها، فعندما يقدم الشخص تفسيراً مطولاً لرفضه، يمنح الطرف الآخر فرصة لمجادلته أو محاولة تغيير قراره.


فعلى سبيل المثال، إذا قال شخص إنه لا يستطيع الحضور لأنه مرتبط بموعد مبكر في الصباح، قد يرد الطرف الآخر بأن اللقاء لن يستغرق وقتا طويلا،  لكن عندما يكتفي بالقول «هذا لا يناسبني»، يصبح القرار واضحاً وغير قابل للنقاش.


ويضيف الباحثون أن تبرير الحدود الشخصية يتطلب أيضاً جهداً عاطفياً كبيراً، فقد وصف عالم الاجتماع آرلي هوكشيلد هذا النوع من الجهد باسم «العمل العاطفي»، وهو الجهد الذي يبذله الشخص لإدارة مشاعره وإظهار ردود فعل تتوافق مع توقعات الآخرين.


ويظهر هذا الجهد في محاولات الشخص الحفاظ على نبرة لطيفة أو ابتسامة أثناء رفضه لطلب لا يرغب فيه، أو الاعتذار عن قرار من حقه اتخاذه، وتشير الدراسات إلى أن هذا النوع من «التمثيل العاطفي» قد يرتبط بالإرهاق النفسي والقلق وحتى الاكتئاب.


في المقابل، فإن التعبير الواضح عن الحدود الشخصية دون تبرير مفرط يساعد الجهاز العصبي على التكيف تدريجيا مع فكرة أن قول «لا» لا يؤدي بالضرورة إلى صراع أو خسارة العلاقات، ومع الوقت، يكتسب الشخص مهارة الحزم، أي القدرة على التعبير عن احتياجاته بوضوح دون عدوانية أو خضوع.


وتشير نظرية «تقرير المصير» التي طورها عالما النفس ريتشارد رايان وإدوارد ديسي إلى وجود ثلاث حاجات نفسية أساسية لدى الإنسان، هي الاستقلالية والكفاءة والانتماء، وتعد الاستقلالية، أي شعور الشخص بأن قراراته نابعة من اختياره، عنصراً أساسياً في الصحة النفسية.


ومن هذا المنطلق، يرى الخبراء أن عبارة «هذا لا يناسبني» تساعد على استعادة الشعور بالاستقلالية، لأنها تعني ببساطة أن الشخص اتخذ قراره بالفعل ولا ينتظر موافقة الآخرين عليه.


وتؤكد الأبحاث المرتبطة بهذه النظرية أن الأشخاص الذين يشعرون بقدر أكبر من الاستقلالية في قراراتهم يتمتعون عادة بمستويات أعلى من الرفاهية النفسية والدافعية والاستقرار العاطفي، بينما يؤدي الشعور بالضغط أو الإكراه المستمر إلى تراجع الصحة النفسية.