حكاية أثر.. «تابوت بيتوزيرس» تحفة بطلمية تروي لقاء الحضارات

تابوت بيتوزيرس
تابوت بيتوزيرس


تحتفظ قاعات المتحف المصري بالقاهرة بالعديد من القطع الأثرية التي تكشف تطور الفن والعقيدة عبر العصور، ومن بين هذه الكنوز تابوت الكاهن بيتوزيرس، الذي يعد نموذجًا فريدًا للإبداع الفني في العصر البطلمي

فهذا التابوت لا يعكس فقط تقاليد الدفن المصرية القديمة، بل يكشف أيضًا عن مرحلة تاريخية امتزجت فيها التأثيرات المصرية واليونانية لتخلق عملاً فنياً استثنائياً يروي قصة حضارة تتجدد دون أن تفقد جذورها.

اقرأ أيضًَا | مديرة المتحف المصري ببرلين: نعتمد نهجًا تقدميًا لإبراز عراقة الفن المصري

يرجع تاريخ تابوت بيتوزيرس إلى العصر البطلمي في مصر، وهي الفترة التي بدأت بعد دخول الإسكندر الأكبر إلى مصر عام 332 قبل الميلاد، حين شهدت البلاد تفاعلاً ثقافياً وفنياً بين الحضارة المصرية القديمة والعناصر اليونانية المقدونية. 

وقد عُثر على هذا التابوت داخل المقبرة رقم 21 في منطقة تونة الجبل، إحدى أهم مناطق الجبانات في مصر القديمة، والتي ارتبطت بمعبود الحكمة تحوت.

ويعكس التابوت فلسفة المصري القديم التي قامت على فكرة الحفاظ على الجسد باعتباره شرطًا أساسيًا لرحلة المتوفى في العالم الآخر، لكن ما يميز هذا التابوت تحديدًا هو الأسلوب الفني المبتكر الذي جمع بين التقاليد المصرية العريقة وروح العصر البطلمي.

صُنع التابوت من خشب الصنوبر، وهو خشب مستورد كان يعد من المواد الثمينة في ذلك الوقت، ما يدل على المكانة الاجتماعية الرفيعة التي كان يتمتع بها الكاهن بيتوزيرس.

 غير أن العنصر الأكثر تميزًا في هذا العمل الفني يتمثل في تقنية التطعيم بالزجاج الملون التي تغطي سطح الغطاء بالكامل.

فبدلاً من استخدام الألوان التقليدية في الرسم، لجأ الفنان إلى قطع صغيرة من الزجاج الملون المصقول بعناية، رُصعت في سطح التابوت لتشكّل الرموز الدينية والنصوص الجنائزية.

وقد منح هذا الأسلوب التابوت مظهرًا براقًا أقرب إلى لوحة فسيفساء جنائزية، تعكس الضوء وتضفي على القطعة جمالاً وحيوية استثنائية.

وعلى الرغم من هذه اللمسات الفنية الجديدة، ظل التابوت محافظًا على التصميم المصري التقليدي الذي يأخذ شكل الجسد الآدمي، وهو النمط الذي كان يهدف إلى احتضان المومياء وحمايتها، في إطار العقيدة المصرية المرتبطة بالحياة بعد الموت.

إن هذا المزيج المتناغم بين خشب الصنوبر القوي وتطعيمات الزجاج الدقيقة يروي قصة عصر شهد تلاقي الحضارات وتبادل التأثيرات الفنية، دون أن تفقد مصر هويتها الحضارية العميقة.

واليوم يقف تابوت بيتوزيرس معروضًا في الطابق الأرضي بالمتحف المصري بالقاهرة، ليمنح الزائرين فرصة التأمل في تحفة فنية يزيد عمرها على ألفي عام، ويكتشفوا من خلالها كيف استطاع الفنان المصري أن يجمع بين التراث والابتكار في عمل واحد يخلد ذكرى صاحبه عبر الزمن.