إبراهيم محمد عامر
كان النهار رائقاً يميل جوه للبرودة والشمس تستتر خلف السحب الكثيفة ولكن لا زالت أشعتها غير الباردة تغمر جبال وتلال وبيوت القاهرة المنتشرة فى سفح المدينة الكبيرة المبنية من مئات السنين بواسطة القائد الصقلى جوهر.
وفى شرفة قصر الحكم بقلعة الجبل كان يقف على بك الكبير بجسده الضخم وطوله الفارع يطلُّ على مملكته التى نالها بسيفه بعد تغلبه على الوالى العثمانى ونظرائه من الأمراء المماليك، ويشعر بسعادة غامرة إذ حقق حلماً قديماً له بالاستقلال بمصر، ذلك الحلم الذى نشأ فى صدره منذ أتاها مملوكاً صغيراً انتقل من يد تاجر إلى يد تاجر آخر حتى وصل إلى أحد الأمراء وبوسطته اقترب من دائرة الحكم الضيقة المغلقة على عدد معين من أمراء يقسمون سلطة البلاد الفعلية بينهم تاركين السلطة الاسمية للوالى العثمانى قاعداً فى مكانه بقلعة الجبل يستقبل الرسل ويختم على الأوامر والأحكام التى يقررونها.
ويتذكر كيف طارده حلم الاستقلال بمصر عن الدولة العثمانية وعن الأمراء المماليك منذ عرفها وخبر دروبها وأسواقها وعاشر أهلها فعرف فيهم الطيبة والاعتدال وتأكد أنهم لو وجدوا من يحسن إدارة بلادهم لصنع بهم الأعاجيب ولحفر اسمه فى كتب التاريخ إلى جانب الأسماء التى صار يحفظها ويرددها كل ساعة فى إعجاب وتقدير كالناصر صلاح الدين والظاهر بيبرس وغيرهم.
وها هو اليوم قد حقق حلمه بالاستقلال أخيراً وصار سلطاناً لمصر طرد الوالى وقهر الأمراء وخضع الشعب لحكمه. صار يستقبل رسل الدول بنفسه ويوقع المعاهدات ويمضى على قرار خوض الحروب وعقد السلام بنفسه له جيش كبير يقوده زوج ابنته الذى أنعم عليه بعد مساعدته فى الانقلاب على الأمراء المماليك والوالى العثمانى بلقب البكوية فصار اسمه محمد بك أبو الدهب وها هو يقود جيشه ويذهب به إلى الشام ليحررها من الجيش العثمانى ويخضعها لسلطانه ويضمها إلى مصر مشكلين إمبراطورية كبرى فى الشرق تنافس الإمبراطورية العثمانية التى عفا عليها الزمن.

فابتسم لكل تلك الذكريات والأفكار وسمع زقزقة العصافير بالقرب منه فمد يده محاولاً أن يمسك بإحداها غير أنها أفلتت منه فضحك وعلا صوت ضحكته.
والتفت لصوت بدا من ورائه فرأى ابنته زينب قادمة مبتسمة تعرف كيف أن لابتسامتها وقع السحر على أبيها فتزيد منها وقالت بصوتها الرقيق:
- يا له من عصفور أحمق! كيف له أن يرفض يد سلطان مصر؟!
فابتسم لها وقال:
- معك حق يا عزيزتى زينب ولكن إلى أين يظن نفسه هارباً إن ملكى لا نهاية له بإذن الله، ولا أحسبه مهما ابتعد سيخرج من طاعتى..
- هو ذاك يا والدى الحبيب.
ودخلا إلى القاعة بعد أن وقفا فى الشرفة قليلاً يتكلمان، واستقبل على بك رسالة جديدة فقالت له:
- أهى من محمد يا أبى؟!
- لا. هى من القيصر الروسى. محمد يخوض الآن المعارك ولا قدرة له على إرسال الرسائل..
- وفقه الله.
- آمين. بعد أن يمن الله علينا بفتح الشام يمكنك أنت ومحمد أن تستقرا هناك..
- ونتركك يا أبى؟!
- لن أأمن على الشام غيره بل لا أأمن على نفسى إلا منه وقد وهبته أثمن ما كان عندى فى الدنيا.
فابتسمت لأبيها وودت أن تقول له هواجس تطاردها هذه الأيام ولكنها لم تشأ أن تنكد عليه مزاجه لقد كانت تريد أن تقول له ألا يمنح ثقته لمخلوق أياً كان، ولكنها تعلم أن حديثها ذلك لن يفعل شيئاً سوى مضايقة أبيها ليس أكثر ولن تجنى منه شيئاً سيقول لها إنها لا تعلم شيئاً عن الرجال أو عن السياسة أو عن المُلك وإنه أعلم بهم منها جميعاً وربما يورطه غروره وقتها فى أكثر مما كانت تحذر منه فيفرط فيه إمعاناً فى إجبارها على الاقتناع بصدق رأيه. فقررت أن تصمت.
واستأذن الحاجب فى الدخول على سيده وأعلن وصول رسول من قائد الجيش محمد بك أبو الدهب فابتسم السلطان على ونظر لابنته فرحاً وحضر الرسول بالرسالة وقدمها للسلطان على فأمر بأن يقيم فى جناح بالقصر ليستريح حتى يعود فى الغد برسالة إلى قائده، وأوكل أمره إلى ابنته زينب التى اصطحبته خارج القاعة.
وعادت لأبيها فرحة بعد أن أخبرها الرسول بانتصارات زوجها وخضوع الشام لسلطة أبيها السلطان على ووجدته مهموماً على وجهه علامات غير التى تركتها عليه منذ قليل، فقالت له:
- هل فى الرسالة شىء أغضبك؟
- لا..
- لقد أخبرنى الرسول بانتصارنا هناك على العثمانيين وثبوت حكمنا فى بلاد الشام.
- هذا صحيح..
- إذن فما المشكلة التى تؤرق وجهك؟!
- زوجك..
- ماله؟
- يريد أن نهادن العثمانيين ونقف عند هذا الحد يريد أن نعقد صلحاً مع الدولة العثمانية وأن نستقر على ما نحن فيه الآن..
- وما المشكلة يا أبى؟!
فانتفض صائحاً فى غضب:
- المشكلة؟ المشكلة أننى لا أريد أن أكتفى بما نلته الآن. إن طموحى أكبر من ذلك بكثير يا زينب. إن طموحى السماء. والأغرب من ذلك أنه يرسل لى ويبلغنى أنه عقد أكثر من لقاء مع موفد من العثمانيين ونقل له موافقتهم على هذا الوضع. كيف له أن يعقد لقاءات دون أمرى؟ مَن كلفه بذلك اللعنة لقد صدقت يا ابنتى حين قلتِ منذ قليل أنه لا يجب على أن أثق فى مخلوق.
- ربما فرضت عليه الظروف ذلك يا أبى.
- الظروف؟ أية ظروف؟ لقد جهزت له جيشاً لا يقهر، ومعه من الخبراء ما يكفى. لقد فاز بالحرب من أول مواجهة. فعن أية ظروف تتحدثين يا ابنتى؟!
صمتت زينب ولم تدر بما ترد بينما واصل السلطان هياجه وغضبه ونادى الرسول الذى لم ينعم براحته ساعة وأمره أن يذهب من فوره إلى قائده محمد بك أبو الدهب ليبلغه بإيقاف المفاوضات بينه وبين العثمانيين وأن يسلم قيادة الشام إلى قائد آخر ويعود إلى مصر لمسألة هامة.
وأخذ يفكر فى غضب بمملوكه الأثير الذى كان أقرب تلاميذه إليه والذى كان يرى فيه شبابه ويعدِّه ليكون خليفته من بعده فى الحكم والسلطان.
أيمكن أن يتصرف هذا التصرف من وراء ظهره؟ وساورته الشكوك فى أن يكون أبو الدهب قد اتفق مع العثمانيين على شىء ووجد نفسه يهتف لنفسه: وعلى ماذا يمكن أن يتفقا بل وعلى مَن؟! إن العثمانيين لن يتركوه يحكم مصر بسهولة ولن ينسوه أو ينسوا ثأرهم معه أو ينسوا مصر درة دولتهم وأكبر دولة فى الشرق التى انتزعها من بين أنيابهم ومنحها استقلالاً وسلطاناً مناوئا به استقلالهم وسلطانهم. وهم بارعون فى شراء الأتباع وكسبوا كثير من صراعاتهم بالخيانة والرشوة وشراء الذمم والولاءات. ولكن هل يمكن أن يشتروا مملوكه الأثير؟!
وظل على حاله من القلق والفِكر أياماً بعد ذلك وزاد من سوء حالته عدم وصول أى رد من مملوكه محمد أبو الدهب على أمره الصادر إليه وزينب تراقب أباها لا تدرى كيف تساعده وتعلم أنه عندما يضيق به الحال يفكر وحده دون طلب معونة من أحد. وكثيراً ما استكبر على طلب المعونة فى حياته حتى فى شؤون السياسة والحكم، فقد رفض منذ أيام عرضاً من الوزير الروسى بدعم جيشه فى محاربة الدولة العثمانية.
ورأى فى ذلك خيانة للدين والوطن إذ كيف له أن يستعين بأجنبى غريب على مسلم قريب ولو كانت بينهم خصومة؟ وقتها زاد فخرها بأبيها وزاد حبها له إذ كانت تحبه كعينيها.
حتى جاء يوم وصلت فيه الأخبار إلى القاهرة بقرب قدوم محمد بك أبو الدهب. وكانت المفاجأة الصادمة لعلى بك أنه كان آخر مَن يعلم بذلك القدوم كيف لم يرسل له مملوكه رسولاً يعلمه بقدومه؟ فاختار أن يصبر ويكتم غضبه حتى يقدم مملوكه فينفجر فيه ويحاسبه على كل ما فعل.
وأرسل إليه رسول ليصحبه إلى القلعة، وإن كان فى الحقيقة قد كلفه بوضع الأغلال فى يدى أبى الدهب بمجرد أن يراه ويجره جراً فى شوارع المحروسة حتى يدخله القلعة ويسكنه سجنها.
لكن حدثت مفاجأة لم يحسب لها السلطان على حساباً ولم تخطر له على بال لقد عاد الرسول بنفس السرعة التى انطلق بها ليقبض على أبى الدهب عند مشارف القاهرة، ودخل قاعة قصر القلعة مهرولاً إلى سيده ليبلغه بالنبأ الصادم:
- لقد عاد محمد بك أبو الدهب بالجيش يا سيدى؟
فهتف سلطان مصر فى دهشة:
- ماذا؟! الجيش كله؟ هل ترك الشام دون جيش؟ كيف هذا؟!
وسرعان ما تبين سبب عودة محمد أبو الدهب بالجيش حين اشتبك مع حرس حدود السلطنة المصرية وقتل منهم وأسر وتصرف تصرف المحارب وتقدم فى مصر التى كان جُلُّ جيشها تحت أمرته وفى صحبته وتوجه صوب القلعة التى يقيم فيها سيده السلطان على بك. والذى يبدو مما يجرى أنه قد قرر الانقلاب عليه وخيانته.
وزينب فى القصر ترى ما يحدث ويدمى قلبها الحزن على خيانة زوجها لأبيها. وعلمت كما علم أهل مصر باتفاق قد وقع بين مملوك أبيها وبين المفاوضين العثمانيين على تسليم مصر له يحكمها باسمهم راجعة بذلك لنمطها القديم الذى تمردت عليه بقيادة على بك الكبير وأن يكون له من وراء ذلك نصف خراجها له وحده وأن تكون له حتى مماته والياً ومسؤولاً وحيداً.
فقالت لنفسها وهى تتذكر أمراً مشابهاً حدث منذ عقود كثيرة:
- من أجل عرض كهذا وافق يهوذا على خيانة المسيح أستاذه ومعلمه؟!
وتعجبت كيف يكرر التاريخ نفسه كل مرة دون أن يعى أحد ذلك أثناء الإعادة.
ودخل محمد أبو الدهب القلعة دخول الفاتحين ولم يقدر بأن يرفع عينيه فى عينى سلطانه السابق ولم يصمد أمام توبيخه إلا لحظات خرج من بعدها لشأن تعلل به آمراً جنده بأن يصحبوا الرجل العجوز إلى جناح آخر يقيم فيه ويريح أعصابه من الغضب الذى يسيطر عليه.
وعز على على بك الكبير أن ينهار كل ما تمنى فى لحظة بسبب خيانة تلميذ من تلاميذه له لقد انتهى أمل إقامة دولة كبرى يكون لها سلطاناً بفعل الخيانة. وتآمر عليه أعداؤه وأصدقاؤه. وحضر له ذات نهار متخفياً الوزير الروسى ودخل عليه جناحه وقال:
- بإمكاننا مساعدتك يا جناب السلطان.
فقال فى مرارة:
- وما المقابل الذى يتوجب علىَّ دفعه حينها يا جناب الوزير؟!
- ليس ثمناً كبيراً. إنه مثل الذى دفعه تلميذك أبو الدهب بك..
- أتعتبر هذا ثمناً رخيصاً؟
- نعم..
- لئن قبله هو فلا أقبله أنا..
- على بك لا تعقد الأمور بإمكاننا أن نعيدك لسلطانك لو أردت..
- بل لو خضعت يا جناب الوزير وأنا لا أخضع.
وانتهى اللقاء بينهما على رفض الدعم الروسى واستبدال الحماية العثمانية بحماية دولة أخرى، فقد كان يرفض أية وصاية على البلاد التى يحكمها من أى كائن مهما كان.
ومات على بك الكبير بعد أيام قليلة. قتلته الحسرة والحزن وخيانة القريب وأمر بدفنه فى مقبرة من مقابر الأمام الشافعى غرب القاهرة بالقرب من القلعة التى كان يحكم منها البلاد..
وظلت زينب فى حالة من الحزن لا تنقطع على أبيها وحرمت نفسها على زوجها وأقسمت بأن تنتقم منه جزاء خيانته لأبيها وبالدولة التى عادت أسيرة العثمانيين من جديد على يديه.
ونادت فى أحد الأيام خادماً له مسؤولاً عن طعامه وكان أحد رجال أبيها من قبل، ومنحته كل ما معها من ذهب مقابل أن يضع له سماً فى الطعام. فوقف الخادم مبهوتاً لا يعرف كيف يجيب، فعادت لتقرب الذهب من صندوقها من جديد لكنه هتف:
- سأفعل يا مولاتى. سأفعل..
وخرج من عندها بعدما اتفقا على الخطة.
وفى المساء ذهبت لزوجها متزينة يفوح العطر من ثيابها وجسدها وجلست قبالته لتشاركه الطعام لأول مرة منذ شهور طويلة فابتسم ولم يصدق نفسه وأخذ يحدثها كيف أحبها طوال الوقت وحلم بها منذ كان مملوكاً غير معروف لأحد سوى أبيها حتى صار سلطاناً لمصر فاستدركت:
- بل والياً. لم تعرف البلاد سلطاناً لها فى القرون الأخيرة سوى أبى رحمه الله..
فصمت ولم يكمل انطلاقته فى الحديث وانشغل بالطعام وكانت تعلم الطبق الذى وضع فيه الخادم السم فظلت تنظر إليه حتى أكل منه كثيراً. وهتف بها فجأة:
- لماذا لا تأكلين من ذلك الطبق؟ إنه الطعام الذى تحبينه؟!
فابتسمت وقالت بأنها لم تكن تريد أن تأكل من الأساس ولكنها أرادت أن تشاركه الطعام فقط لأنها شعرت فجأة بالشوق إليه فصمت ثم أمسك بطنه فجأة وتلوى ولفظ الطعام من فمه، فوقفت فى صرامة تنظره كيف يموت؟
وأفلتت منه صيحة فدخل عليهما القاعة الحرس والخدم ولما رأوه على هذه الحال شهروا سيوفهم لكنها استعادت صرامة أبيها فجأة وصاحت بهم:
- لا تنشغلوا به إنه قد هلك وانتهى أمره.
فلم يصدروا فعلاً ولم يتحركوا وانتظروا ما تأمر به، فأمرت بأن ينالوا جزاء صمتهم نصف ثروة الخائن التى باع بها سيده وأن يُوزَّع نصف ثروته الآخر على فقراء مصر صدقة على روح أبيها فهى فى الأساس كانت ثروته التى جمعها ليكبر مصر ويعلى من شأنها. ثم أمرت بأن يدفن فى قبر مجهول حتى لا يزوره الناس.
وتجمع الناس حول بوابات القلعة فى فرح يفتحون أكفهم ويملؤونها بالذهب والفضة ثم يتحركون فى موكب صامت مهيب نحو مقبرة السلطان على بك الكبير يقرأون له الفاتحة ويترحمون عليه ويتذكرون ما وقع له على يد الخائن وما وقع للخائن على يدى زوجته ابنة مولاه الذى انقلب عليه ويقولون:
- لا يهمل الله الخائن مهما أمهله.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







