السّماح عبد الله
لا يدين صلاح اللقانى المتلقى الذى انصرف عن الشعر ولا يدين الشاعرَ الذى انصرف إلى الزخارف اللغوية، بقدر ما يدين زمنا بأكمله لم يعد ينشغل بالحال الجاد ولا بالغلالة الرقيقة التى تغلف مشاعرنا فى مواجهة الحوائط المسدودة الخالية من الشبابيك المطلة على الهواء البارد، فتيبست المياه فى أصابعنا، وأصبحنا نقول الشعر لأنفسنا وكأننا ننظر فى المرآة، فلا الرسالة واصلة للحبيبة، ولا الرسول فرحان.
صلاح اللقانى صياد ليس ماهرا، مثلى تماما، أنا أيضا فرائسى كلها تستعصى علىَّ، الفارق بيننا أنه يطارد فريسته فى الوديان والسهول حتى يقتنصها، وينسجها حريرية فى يديه، كما يليق بالعاشق الظافر بالحب، وعندما ينشر قصيدته مشغولة بما سرقت يداه، يكتشف الخديعة، الفريسة ليست هى الفريسة، واللغة خوّانة، والموسيقى ليس فيها مقامات الشجن الموروث، فيتركها منشورة فى أدب ونقد أو إبداع، ويذهب لفريسة أخرى، فى وديان وسهول مغايرة، وتتكرر اللعبة وتكبر فتصبح ديوانا فى أدب الجماهير أو هيئة قصور الثقافة، أقول له: يا صاحبى أنت أجمل حالا منى، على الأقل أنت تتوهم الفرحة فتفرح، وتظن السراب ماء فترتوى من النظر قبل بلِّ الشفاه، أما أنا فبرغم الأهرام وأخبار الأدب، برغم بيت الشعر وهيئة الكتاب، فبلا حصيد من الفرحة، وبلا وقت للمباهاة، وشفاهى يابسة.
العام الماضى افتتح عامه الثمانين بمعزل عنا، هو يعرف أننا مشغولون عنه بحاجات الدنيا الصغيرة، فلم يشأ أن يزعجنا، أو هو طيب جدا حتى أنه لا يريد أن يوجِّه لنا اتهاما، فنحس بأنه فى حاجة لأن نقول له حقك علينا، أو ربما يكون مدركا أنه لا حول لنا، فالمائدة الممدودة قليلة الدائرة، والدعوة موجهة للجميع، صيادين وكذبة، والكذبة يا أخى لهم أكتاف عريضة، وأيدٍ بها عشرات الأصابع، تقبض على صنارات مدببة، ومخلاتنا ليس فيها غير التفاعيل، ننظمها كأنها تميمة الخلاص، ونتعالى على الصَّغار، لكنه ملتزم جدا، وحاد بالتزامه بما يؤمن به، حتى أنه فى ميدان التحرير الدمنهورى، أيام نضال المثقفين ضد الإخوان، كان يهاتفنى وهو يصف لى ما يلاقيه من عنت اللحى ومضايقات الجباه التى بها زبيبة، ملتزم، حتى أن صفحته على الفيسبوك لاقطة لكل صور القمامة المرشوشة فى الشوارع، فيسأل كثيرا، ولا أحد يجيب، وقد سبق أن قال:
إن الترابَ لهُ مَعْنىً وناموسُ
فى مُصْحَفِ الكوْنِ مَكتوبٌ ومَهْموسُ
لا تسألِ الماءَ عَنْ أشكالِ طَلْعَتِهِ
فلن يُجيبَ سُؤالاً مِنكَ قاموسُ.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







