رؤى

استثمار التصنيع الزراعى فى مصر

النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ
النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ


لم تعد الزراعة فى عصرنا الحديث تُقاس بكمية ما ننتجه من محاصيل، بل بقدرتنا على تحويل هذا الإنتاج إلى قيمة مضافة، فالدول التى نجحت فى بناء اقتصاد قوى لم تعتمد على بيع القمح أو الخضراوات أو الفاكهة فى صورتها الخام، بل أقامت صناعات متكاملة حول هذه المنتجات، وأدركت أن التصنيع الزراعى هو الطريق الأقصر لتحقيق التنمية المستدامة وتعظيم العائد من الموارد المحدودة.

وفى مصر، ورغم إنتاج ملايين الأطنان من المحاصيل سنويًا، فإن جزءًا كبيرًا منها يُباع بأسعار منخفضة فى مواسم الوفرة، ثم يعود إلى الأسواق بأسعار مرتفعة بعد عمليات التداول، بينما تضيع القيمة الاقتصادية الحقيقية بين الوسطاء ومن هنا يصبح الانتقال من اقتصاد بيع الخام إلى اقتصاد القيمة المضافة ضرورة وطنية، لا مجرد خيار اقتصادي.

لقد أكدت التجارب العالمية أن نجاح أى قطاع زراعى يرتبط بقدرته على التحول إلى قاعدة صناعية وغذائية، وهو ما تعمل عليه مؤسسة أفرولاند للتنمية المستدامة من خلال دراسة سلاسل القيمة الزراعية والبحث عن أفضل البدائل الاقتصادية التى تعظم الاستفادة من المحاصيل وترفع دخل المزارعين.

وفى إطار الدراسات التطبيقية  الزراعية التى أجريناها خلال الموسم الزراعى الحالي، تبين أن بعض المحاصيل  رغم نجاحها الزراعى لا تحقق جدوى اقتصادية عالية عند توجيهها للتصنيع فى الظروف الراهنة، فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسة أن 10 كيلوجرامات من الطماطم الطازجة يبلغ سعرها فى أرض المزرعة نحو 150 جنيهًا، وعند تجفيفها تنتج فى المتوسط كيلوجرامًا واحدًا فقط، وبينما يبلغ سعر بيع الكيلوجرام من الطماطم المجففة نحو 3 دولارات، فإن هذه القيمة تكاد تعادل سعر المادة الخام قبل إضافة تكاليف التشغيل والطاقة والعمالة، وهو ما يجعل عملية التجفيف غير قادرة حاليًا على تحقيق عائد اقتصادى مجزٍ.

هذا الواقع دفعنا إلى البحث عن محاصيل بديلة تمتلك قدرة أعلى على تحقيق قيمة مضافة عند التصنيع، لتكشف الدراسات أن الباذنجان يمثل أحد أفضل الخيارات الواعدة، خاصة فى محافظات الصعيد وعلى رأسها محافظة الأقصر، حيث اختيار الباذنجان للتجفيف بناءً على اعتبارات علمية واقتصادية واضحة، من بينها توافره بكميات كبيرة، وسهولة زراعته، وإمكانية تحويله إلى منتجات متعددة، فضلًا عن وجود طلب متزايد عليه فى الأسواق الإقليمية والدولية، وتحقيقه هامش ربح أعلى مقارنة ببعض المحاصيل الأخرى عند التصنيع.

ولا يقتصر الأمر على منتج واحد، فالباذنجان يمكن أن يتحول إلى سلسلة كاملة من الصناعات الغذائية، مثل الباذنجان المجفف المستخدم فى المطابخ التقليدية، ومسحوق الباذنجان للمنتجات الصحية، وشرائح الباذنجان المجمدة للمطاعم، والباذنجان المشوى المجمد لصناعة الوجبات الجاهزة، إضافة إلى معجون الباذنجان المستخدم فى تحضير العديد من الأطعمة المتوسطية.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن تكلفة إنتاج كيلوجرام واحد من الباذنجان المجفف قد تصل إلى نحو 150 جنيهًا، بينما يتراوح سعر بيعه بين 6 و10 دولارات، وهو ما يوفر هامش ربح مناسب يمكن أن يدعم قيام مشروعات تصنيع زراعى صغيرة ومتوسطة، خاصة فى المجتمعات الريفية، ومجتمعات الصعيد.

إن القوة الحقيقية للتصنيع الزراعى لا تكمن فقط فى زيادة أرباح المنتج، بل فى خلق سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الحقل ولا تنتهى عند المستهلك، فهو يرفع دخل المزارع، ويوفر فرص عمل للشباب داخل القرى، ويشجع الاستثمار الصناعي، ويزيد عائدات التصدير، ويقلل الفاقد من المحاصيل، ويسهم فى تحقيق الأمن الغذائي.