أما بعد

«الأكراد».. ولعبة الاقليات

أحمد باشا
أحمد باشا


فى جغرافيا الشرق الأوسط المتشابكة، حيث تتقاطع خطوط الدم مع خرائط المصالح، كثيرًا ما تتحول القضايا القومية إلى أوراق على طاولة اللاعبين الكبار. ومن بين هذه القضايا تبرز المسألة الكردية بوصفها واحدة من أعقد الملفات السياسية فى المنطقة، ليس فقط بسبب امتدادها الجغرافى عبر أربع دول رئيسية هى: تركيا وإيران والعراق وسوريا، بل أيضًا لأنها تحولت، عبر عقود طويلة، إلى ساحة مفتوحة لتوظيفات إقليمية ودولية متشابكة.

فالأكراد، كقومية تبحث عن جمع شتاتها فى وطن مستقل، ظلوا يعيشون حالة تاريخية من التطلع القومى غير المكتمل. لكن هذا التطلع ذاته فتح الباب أمام قوى خارجية رأت فى هذا الملف فرصة ذهبية للنفاذ إلى قلب المنطقة، وإعادة تشكيل توازناتها. وفى مقدمة هذه القوى تقف أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وعلى رأسها الموساد، التى أدركت مبكرًا أن الجغرافيا الكردية تمثل بوابة استراتيجية للتأثير فى محيط خصومها.

منذ ستينيات القرن الماضى، نسجت إسرائيل علاقات مع بعض القيادات الكردية فى شمال العراق، فى إطار ما عُرف بسياسة «تحالف الأطراف»، التى صاغها رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق «بن جوريون»، والقائمة على إقامة علاقات مع القوميات غير العربية المحيطة بالعالم العربى. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف التقارير الدولية عن الإشارة إلى حضور استخباراتى إسرائيلى فى مناطق النفوذ الكردى، سواء فى شمال العراق أو فى مناطق أخرى من الإقليم.

لكن المسألة لم تعد مجرد علاقات سياسية أو قنوات اتصال استخباراتية. فمع اشتداد الصراعات الإقليمية، خصوصًا مع تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، بدأ الملف الكردى يكتسب بُعدًا وظيفيًا أكثر وضوحًا. إذ تشير تقارير عديدة إلى استخدام بعض الفصائل الكردية المسلحة كأداة ضغط داخل الجغرافيا الإيرانية، عبر عمليات تسلل وهجمات محدودة فى المناطق الحدودية غرب إيران، فى محاولة لخلق حالة من التوتر الداخلى واستنزاف القدرات الأمنية.

هذه الاستراتيجية تقوم على منطق بسيط فى علم الصراعات. فتح جبهات داخلية فى جسد الخصم، بحيث تتحول الحدود القومية إلى نقاط ارتخاء يمكن النفاذ منها لإرباك الداخل. وفى هذا السياق، يصبح الفاعل المحلى - أيًا كانت قضيته - جزءًا من لعبة أكبر، تتجاوز كثيرًا حدود طموحاته الأصلية.

غير أن هذه المعادلة تضع دولة محورية مثل تركيا فى قلب المشهد المتوتر. فأنقرة تنظر إلى أى مشروع لدولة كردية مستقلة باعتباره تهديدًا مباشرًا لوحدتها الوطنية، نظرًا لوجود كتلة سكانية كردية كبيرة داخل حدودها. ولهذا فإن أى تحركات كردية مسلحة فى الإقليم، خاصة إذا ارتبطت بتدخلات خارجية، تُعد بالنسبة لها خط تماس حقيقى مع مستقبلها السياسى والأمنى.

وهكذا يتشابك المشهد صراع إقليمى محتدم بين محور تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتخلله ملفات قومية معقدة، وقوى محلية تبحث عن تحقيق أحلامها التاريخية، لكنها تجد نفسها - شاءت أم أبت - جزءًا من لعبة أمم كبرى.

وفى مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح السؤال الأهم.. ماذا سيبقى من خرائط المنطقة بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها؟ فالتجارب السابقة فى الشرق الأوسط تقول إن الحروب الكبرى لا تنتهى عند خطوط وقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر عمقًا وخطورة، حيث يعاد رسم الجغرافيا السياسية، وتولد كيانات جديدة، وتختفى أخرى.

وحين تهدأ المدافع يومًا ما، قد نجد أنفسنا أمام شرق أوسط مختلف تمامًا عن ذلك الذى عرفناه؛ شرق أوسط تُعاد فيه صياغة الحدود، وتُكتب فيه خرائط النفوذ من جديد، بينما تبقى القضايا القومية - مثل القضية الكردية - معلقة بين حلم مؤجل، ولعبة استخبارات لا تعترف إلا بمصالحها.