رحلة مومياء رمسيس الثاني إلى باريس.. هل كان فرعون موسى؟

مومياء رمسيس الثاني
مومياء رمسيس الثاني


شهدت سبعينيات القرن الماضي حدثا غير مسبوق في تاريخ علم المصريات، عندما وصلت مومياء الملك رمسيس الثاني إلى باريس لإجراء فحوص علمية دقيقة، فتحت هذه الرحلة نافذة جديدة على حياة الملك وأمراضه وتقنيات التحنيط المتقدمة التي استخدمها قدماء المصريين، كما أظهرت تفاصيل كثيرة عن صحته وعمره الطويل وإنجازاته التي جعلت منه أحد أعظم ملوك مصر القديمة.

هذا الغموض دفع العديد من الباحثين إلى دراسة مومياء رمسيس الثاني ومحاولة فهم أسرار حياته ووفاته، وبرز اسمه بشكل خاص عند محاولة تحديد ما إذا كان هو فرعون موسى.
لغز فرعون موسى في التاريخ المصري

تخلو النصوص التاريخية المصرية القديمة من أي إشارة صريحة إلى اسم الفرعون الذي حكم مصر في زمن النبي موسى، والذي جعل هذه القضية موضع بحث واسع بين علماء التاريخ والآثار، وقد حاول الباحثون استخدام الأدلة التاريخية والأثرية المتاحة للوصول إلى فرضيات قد تقود إلى حل هذا اللغز، إلى أن تظهر اكتشافات جديدة قد تحسم الجدل.

اقرأ أيضا| «رمسيس وذهب الفراعنة» يصل لندن

استقبال رسمي لمومياء ملك مصري في باريس

في عام 1976 شهدت العاصمة الفرنسية باريس حدثا استثنائيا عندما وصلت مومياء الملك رمسيس الثاني إلى قاعدة «لو بورجيه» الجوية على متن طائرة عسكرية فرنسية من طراز «بريجيه».

وقد حظيت المومياء باستقبال رسمي مهيب شمل حضور مبعوثة الرئيس الفرنسي، وقائد القوات المسلحة الفرنسية، وسفير مصر في باريس، إضافة إلى مراسم عسكرية شارك فيها الحرس الجمهوري الفرنسي وعزفت خلالها الموسيقى العسكرية، بعد ذلك نقلت المومياء إلى متحف الإنسان في باريس، حيث خصصت لها قاعة معقمة تمهيدا لبدء عملية ترميمها وفحصها علميا بسبب إصابتها بفطريات ظهرت على بعض أجزائها.

 

لماذا أُرسلت المومياء إلى فرنسا؟

جاء إرسال مومياء رمسيس الثاني إلى باريس بعد أن نجح الرئيس الفرنسي آنذاك في إقناع الرئيس المصري محمد أنور السادات بالسماح بإجراء فحوص علمية متقدمة عليها. 

وكان الهدف من هذه الخطوة تحقيق ثلاثة أمور رئيسية:

معالجة المومياء من الفطريات التي ظهرت على الأرجل والكعبين والكتف الأيمن وتجويف البطن.

دراسة تقنيات التحنيط المصرية القديمة والتعرف على تركيب مواد التحنيط المستخدمة.

محاولة تحديد السبب الحقيقي لوفاة الملك، وهل كانت وفاة طبيعية نتيجة الشيخوخة، أم مرتبطة بفرضية تقول إن «فرعون» مات غرقا.

اقرأ أيضا| من باطن الأرض إلى قاعات العرض | حكايات من المتحف المصرى الكبير

 

«معمل رمسيس الثاني» في متحف الإنسان

قبل وصول المومياء، أعدت الحكومة الفرنسية مختبرا متطورا داخل متحف الإنسان بالتعاون مع معمل الأنثروبولوجيا في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي. أُطلق على هذا المختبر اسم «معمل رمسيس الثاني»، وزود بأجهزة علمية حديثة مثل:

أجهزة الأشعة السينية
أجهزة قياس الرطوبة
أنظمة تكييف هواء دقيقة
معدات لتسجيل التغيرات المناخية يومياً.

فريق علمي ضخم لفحص المومياء

تولى قيادة الفريق العلمي البروفيسور ليونيل بالو مدير متحف الإنسان، بينما أشرفت الدكتورة كوليت روبيه على التنسيق العلمي بين المؤسسات المشاركة،  وقد شارك في المشروع أكثر من 120 مساعداً وباحثاً، بينهم 63 عالماً متخصصاً في مجالات مختلفة.

كما شاركت أكثر من 20 مؤسسة علمية في الفحوص، من أبرزها:
المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية
إدارة الطب الشرعي
معهد الحفريات البشرية
معهد باستير للتحاليل الميكروبيولوجية
مؤسسة الطاقة الذرية في كالي وغرونوبل
متحف الإنسان
قسم الآثار المصرية في متحف اللوفر.

 

الفحوص العلمية للمومياء

خضعت المومياء لفحوص دقيقة شملت أخذ عينات من داخلها وخارجها، وفحص:
العمود الفقري
الشعر
التجويفين الصدري والبطني
مواد التحنيط
أربطة الكتان
كتان الحشو أسفل المومياء.

كما أُجريت عمليات ترميم للشقوق في الأربطة، بالإضافة إلى علاج إشعاعي بأشعة غاما للقضاء على الفطريات.

واستخدم العلماء عدة تقنيات تصوير متقدمة، منها:
الأشعة السينية التقليدية
الفحص الراديوغرافي
التصوير الزيروغرافي
التصوير اللوني الكثافي
المناظير الداخلية

وقُسم العمل في المومياء إلى ستة أقسام متخصصة لضمان دقة الدراسة.

دراسات نباتية وبكتيرية نادرة

لم تقتصر الفحوص على الجوانب الطبية فقط، بل شملت أيضا دراسات بكتيرية وفطرية للمومياء، كما جمع العلماء عينات من بقايا النباتات العالقة بها، والتي تُعد من أقدم العينات النباتية المعروفة في العالم.

وشملت العينات:
حبوب لقاح
بقايا أخشاب
مواد صمغية
حبوب نباتية
حبيبات رمل.

وقد نُشرت نتائج هذه الدراسات لاحقا في كتاب علمي ضخم صدر عام 1985 بعنوان: «La Momie de Ramses II» (مومياء رمسيس الثاني).

الأمراض التي عانى منها رمسيس الثاني

كشفت الدراسات العلمية أيضاً عن عدد من المشكلات الصحية التي عانى منها الملك في سنواته الأخيرة، أبرزها:

انتشار بعض الفطريات والبكتيريا نتيجة تغيرات الحرارة والرطوبة منذ اكتشاف المومياء في خبيئة الدير البحري عام 1881 على يد عالم الآثار الفرنسي غاستون ماسبيرو.
تآكل في عظام الفك العلوي والسفلي.
وجود جيوب صديدية في جذور الأسنان.
تسوس في الضروس.
عدم وجود أي دليل على علاج الأسنان خلال حياة الملك.

 

ماذا كشفت رحلة المومياء؟

رغم الفحوص العلمية الدقيقة التي استمرت سبعة أشهر بين سبتمبر 1976 ومايو 1977، فإنها لم تحسم بشكل قاطع مسألة ما إذا كان رمسيس الثاني هو «فرعون الخروج» أم لا، ومع ذلك فقد كشفت هذه الدراسات كثيراً من التفاصيل عن حياة الملك، وأمراضه، وتقنيات التحنيط في مصر القديمة، لتبقى قصة الفرعون المرتبط بقصة النبي موسى لغزا تاريخيا ينتظر أدلة أثرية جديدة قد تحسمه في المستقبل.

تبنى الدكتور عبد المنعم عبد الحليم سيد، أستاذ التاريخ القديم والآثار بجامعة الإسكندرية، في دراسته "البحر الأحمر وظهيره في العصور القديمة" رأيا سبق أن طرحته الباحثة الفرنسية كريستيان ديروش نوبلكور، ويشير هذا الرأي إلى حقيقة لافتة ظهرت عندما نقلت مومياء الملك رمسيس الثاني إلى باريس عام 1976 لإجراء أعمال الترميم.

وأوضح أن الفحوص التي أُجريت آنذاك كشفت عن وجود حبيبات من رمال صحراء شرق الدلتا عالقة بالمومياء، وهو ما دفع بعض الباحثين الفرنسيين إلى الاستنتاج بأن هذه الرمال التصقت بالجثمان خلال مرحلة تحنيط أولية جرت في أحد مواقع مدينة بر-رعمسيس الواقعة بشرق دلتا النيل.

إلا أن الباحث عبده علي رفض هذا التفسير، مؤكدًا عدم اقتناعه بأن حبيبات الرمال ذات الأصل الصحراوي أو البحري، التي وجدت عالقة بشعر الملك وأصابع قدميه، يمكن أن تكون دليلا على إجراء عملية تحنيط أولية في منطقة الدلتا، ويرى أن حبات الرمل لا تمثل دليلا أثريا يمكن الاعتماد عليه لإثبات مثل هذه الفرضيات.

وفي سياق متصل، تناولت الباحثة الفرنسية جوزيت تورنك في تقريرها حول "حبيبات الرمل العالقة بالمومياء" ضمن دراسة بعنوان "مومياء رمسيس الثاني" طبيعة هذه الرمال، مشيرة إلى أنها تشبه بدرجة كبيرة الرمال الموجودة في مدينة الأقصر بصعيد مصر.

ووفقا لتحليلها، فمن المرجح أن تكون تلك الرمال قد دخلت إلى المومياء في مرحلة لاحقة، أثناء إعادة دفنها في خبيئة الدير البحري، وهي العملية التي قام بها كبير كهنة آمون باي نجم الثاني خلال عصر الأسرة الحادية والعشرين، عندما تم نقل عدد من المومياوات الملكية لحمايتها من السرقة.

ويشير عبده علي إلى جانب آخر من الدراسات العلمية التي أُجريت على المومياء، موضحا أن جثمان الملك تعرض لجفاف شديد بمرور الزمن، الأمر الذي جعل من الصعب على العلماء الفرنسيين، رغم استخدامهم أحدث الأجهزة والتقنيات، التأكد من فرضية وفاة الملك نتيجة الاختناق بسبب الغرق.

وتكشف الفحوص الطبية التي أجريت على المومياء أن الحالة الصحية للملك تدهورت بشكل ملحوظ نتيجة تقدمه في السن، إذ أظهرت الأشعة بقايا عضلات وشرايينه التي كانت مسدودة بالكامل تقريبًا، وهو ما يشير إلى أنه عانى مشكلات صحية مرتبطة بالشيخوخة قبل وفاته.

ويرى عبده علي، أن جميع هذه التفسيرات تظل فرضيات غير مؤكدة، نظرا لعدم وجود أدلة أثرية أو نصوص تاريخية صريحة تدعمها، ويؤكد أنه لم يتم العثور حتى الآن على أي نقش أو وثيقة في الآثار المصرية القديمة تشير بوضوح إلى سبب وفاة الملك رمسيس الثاني.

علاج المومياء بالإشعاع

ضمن الجهود العلمية للحفاظ على المومياء، قام فريق من العلماء باستخدام أشعة غاما لتعقيمها، وقد جرت هذه العملية بالتعاون مع مؤسسة الطاقة الذرية في غرونوبل بفرنسا.

وأسهمت هذه التقنية في القضاء على معظم البكتيريا والفطريات التي كانت موجودة داخل المومياء وخارجها، إضافة إلى ترميم لفائف الكتان والغطاء الجنائزي الذي يحيط بالجسد.

إضافات جديدة لعلم المصريات

في كتابها الشهير «مومياء رمسيس الثاني»، خصصت العالمة الفرنسية كريستيان ديرو نوبلكور فصل بعنوان «ما يعد إضافة إلى علم المصريات»، عرضت فيه أبرز النتائج التي توصل إليها العلماء بعد فحص المومياء.

وأوضحت نوبلكور أن الكهنة أثناء عملية التحنيط قاموا بحشو القفص الصدري بمواد مطهرة قوية، ومن المحتمل أنهم استخدموا أوراق نبات النيكوتيانا (النيكوتين) بعد طحنها جيدًا.

نباتات وحبوب لقاح داخل المومياء

كشف الفحص العلمي أيضا عن وجود آلاف من حبوب لقاح نباتات مختلفة داخل تجويف الصدر، من بينها نباتات تنتمي إلى عائلة البابونج.
كما عثر على بقايا نباتات أخرى مثل:
القويصة
الحوذان
أوراق التليو
نبات الصِنار
حبوب لقاح القطن البري

وتؤكد الدراسات أن معظم هذه النباتات كان يزرع في وادي النيل خلال العصور القديمة.

نتائج تحليل لفائف الكتان

أجرى العلماء تحليلا لعينات من لفائف الكتان باستخدام تقنية الكربون المشع لتحديد عمرها.

وأظهرت النتائج:

الطبقة الأولى تعود إلى نحو 1370 قبل الميلاد
الطبقة الثانية تعود إلى حوالي 1100 قبل الميلاد

ويرجع اختلاف التاريخين إلى أن المومياء أعيد دفنها وترميمها في عصر الأسرة الحادية والعشرين بعد تعرض المقابر الملكية لعمليات نهب.

تفاصيل أخرى كشفها الفحص العلمي

أظهر الفحص المجهري وجود صبغة صفراء مخففة لم يتم تحديد طبيعتها بدقة، لكن يرجح أنها آثار لنبات الحناء.

كما كشفت الأشعة الملونة عن وجود حبوب فلفل أسود داخل الأنف، إضافة إلى أن الأنف كان مسدودًا بقرص من مادة الراتنج المستخدمة في التحنيط.

أعظم ملوك مصر القديمة

يُعد رمسيس الثاني من أبرز ملوك مصر القديمة، إذ حكم البلاد لمدة طويلة وصلت إلى نحو 67 عامًا، وهي من أطول فترات الحكم في التاريخ المصري، 
كما عُرف بكثرة أبنائه، إذ أنجب نحو 52 ولدًا و32 بنتا، وكان زوجا للملكة الشهيرة نفرتاري.

ومن أبرز إنجازاته المعمارية:

تشييد معبد أبو سمبل الضخم المنحوت في الصخر
بناء أكبر عدد من المعابد في النوبة
إنشاء صالة الأعمدة الكبرى في معابد الكرنك
تشييد تمثال ضخم في معبد الرامسيوم يزن نحو ألف طن
معركة قادش وأول معاهدة سلام في التاريخ

من أبرز الأحداث في عهد رمسيس الثاني معركة قادش الشهيرة ضد الحيثيين، والتي تعد من أشهر المعارك في التاريخ القديم.