يحتل فانوس رمضان، مكانة خاصة في الثقافة الشعبية المصرية، حيث يعد أحد أبرز الرموز المرتبطة بالشهر الكريم منذ قرون طويلة، فقد تحول هذا المصباح البسيط، الذي كان يستخدم قديما للإنارة في الليالي المظلمة، إلى علامة مميزة للاحتفال بليالي رمضان، يضيء الشوارع والبيوت ويستحضر في الذاكرة أجواء الفرح وذكريات الطفولة، إذ ارتبط في الوجدان الجمعي بذكريات الطفولة والأناشيد الرمضانية، كما أصبح شراء الفانوس عادة سنويا لدى كثير من الأسر إيذانا ببدء الاستعدادات الروحية والاجتماعية للشهر المبارك.
وتشير دائرة المعارف البريطانية، إلى أن الفوانيس الاحتفالية تضيء الشوارع والمنازل خلال ليالي رمضان، في صورة تعبر عن حالة الفرح والترقب التي تصاحب قدوم الشهر الفضيل، ومع مرور الزمن أصبح رمزا ثقافيا يعكس خصوصية رمضان بوصفه موسما للتقارب الأسري والتكافل الاجتماعي.
ذكريات الطفولة وطقوس رمضان
يرتبط الفانوس في الذاكرة الشعبية بأجيال متعاقبة من الأطفال الذين يحرصون على حمله والتجول به في الشوارع وهم يرددون الأناشيد الرمضانية، كما يمثل شراء الفانوس تقليدا سنويا لدى كثير من الأسر، إذ يتحول إلى وسيلة للتعبير عن البهجة الجماعية وعن الاحتفاء بقدوم رمضان، ومع مرور الوقت اكتسب الفانوس أشكالا فنية وزخرفية مستوحاة من العمارة والفنون الإسلامية، فأصبح قطعة تراثية تحمل قيمة جمالية وثقافية، وتعبر عن قدرة الرموز الشعبية على الاستمرار رغم تغير الأزمنة.
اقرأ أيضا| الإفطار على التمر في رمضان.. هل فرض أم سنة؟
أصل كلمة فانوس
يرجح معظم اللغويين، أن كلمة فانوس ذات أصل يوناني، إذ كانت تعني المصباح أو المشعل المضيء، وانتقلت الكلمة إلى العربية على الأرجح عبر اللغة القبطية أو من خلال الاحتكاك بالحضارة البيزنطية في مصر وبلاد الشام خلال العصور الرومانية المتأخرة والعهد الإسلامي المبكر، ومع مرور الزمن استقر اللفظ في العربية ليشير إلى المصباح المحاط بغلاف يحمي شعلة الضوء، لكنه اكتسب في الثقافة العربية، خصوصاً في مصر، دلالة رمزية مرتبطة بشهر رمضان.

الفاطميون وبداية تقليد الفانوس
ترجع معظم الروايات التاريخية، أصل تقليد فانوس رمضان إلى العصر الفاطمي في مصر، وتشير الدكتورة إيناس محمد البهيجي في كتابها "تاريخ الدولة الفاطمية" إلى أن الفاطميين سنوا عددا من التقاليد التي أصبحت جزءا من الثقافة الإسلامية والمصرية، ومن أبرزها تقليد فانوس رمضان.
ويذكر أحمد المنزلاوي في كتابه "شهر رمضان في الجاهلية والإسلام" أن الخليفة المعز لدين الله الفاطمي دخل القاهرة مساء الثلاثاء الخامس من رمضان عام 362 هـ / 973 م قادما من المهدية في تونس، فخرج المصريون لاستقباله في موكب كبير حاملين الفوانيس والمشاعل والشموع، امتد من الجيزة حتى قصر الخليفة في القاهرة، ومنذ ذلك الحين ارتبط الفانوس بشهر رمضان.

روايات متعددة لأصل الفانوس
هناك روايات أخرى حول بداية هذا التقليد، منها أن سكان القاهرة في العصر الفاطمي كانوا يخرجون لمرافقة الخليفة في جولته عبر شوارع المدينة مرورا بباب النصر وباب الفتوح في طريقه إلى جبل المقطم لمراقبة هلال رمضان، وكانوا يحملون الفوانيس لإضاءة الطريق وهم ينشدون احتفالا بقدوم الشهر الكريم، كما تذكر رواية أخرى أن الخليفة المعز لدين الله أمر بتعليق فانوس عند مدخل كل مسجد ليظل مضيئا طوال ليالي رمضان.
وتشير رواية مختلفة إلى أن الفانوس ارتبط في البداية بدور المسحراتي، إذ كان يعلق في منارة المسجد للإشارة إلى وقت السحور، بينما كان الأطفال يسيرون خلف المسحراتي حاملين فوانيسهم وهم ينشدون الأناشيد لإيقاظ الناس، ومن القصص التي تروى أيضا أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أصدر قرارا يمنع النساء من الخروج ليلا إلا في رمضان، على أن يتقدمهن غلام يحمل فانوسا لتنبيه المارة بمرورهن.

الفانوس في العصور المملوكية والعثمانية
مع مرور الزمن، وخاصة خلال العصرين المملوكي والعثماني، خرج الفانوس من الإطار الرسمي والديني ليصبح جزءا من الاحتفالات الشعبية، وصار الأطفال يحملونه في الشوارع وهم يغنون الأغاني الرمضانية الشهيرة مثل "وحوي يا وحوي"، حتى أصبح علامة أساسية لقدوم رمضان في مصر وانتشر لاحقا في العالمين العربي والإسلامي.
ويذكر المؤرخ، تقي الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" أن أقباط مصر قبل الفتح الإسلامي كانوا يستخدمون أدوات تشبه الفوانيس في احتفالات عيد الميلاد، حيث تباع الشموع المزخرفة والتماثيل بكثرة.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







