يُحكى في التراث الإيراني أن ملكاً زار صانع سجاد عجوز، سأله الملك : "منذ متى وأنت تعمل على صناعتها؟..أجاب العجوز : "منذ عشر سنوات يا مولاي، وما زلت في منتصفها." تعجب الملك وقال "ألا تشعر بالملل؟ ألا تخشى أن ينتهي عمرك قبل أن ترى جمال صنع يدك كاملاً؟" ..نظر الحائك إلى الملك وقال :
"يا مولاي، نحن لا نحيك الخيوط، نحن نحيك الوقت. الجمال الذي يُولد في يوم، يموت في يوم. أما الجمال الذي يُبنى بغرزة واحدة كل يوم على مدى عقد من الزمان، فإنه يهزم الزمن ولا يموت."
يقال أن هذه الروح تظهر بوضوح في سجاد مدينتى "قم" و"إصفهان" بأيران حيث توجد سجاجيد يدوية تحتوي على أكثر من مليون عقدة في المتر المربع الواحد!!.. تخيل كمية التركيز والصبر التي يحتاجها الإنسان ليقوم بمليون حركة يدوية دقيقة في مساحة صغيرة! هذا هو التعريف العملي للصبر الإيراني.
هذه القصة ليست مجرد حكاية قديمة أو نرويها للانبهار، بل هي "مفتاح" لفهم طبيعة الشعب الإيرانى..هذه الفلسفة القائمة على "صبر أيوب" الذي قد يصل إلى مليون غرزة في المتر المربع الواحد لسجادة واحدة ليست مجرد حرفة يدوية، بل هي "العقيدة الاستراتيجية" التي تصطدم بها اليوم العقلية الأمريكية و الإسرائيلية.
ذلك الصبر تحديدا هو ما أصاب العقل الاستراتيجي الصهيوني بالإحباط والجنون ودفعهم لإغراق ترامب فى تلك الحرب غير المعلوم نهايتها ..لقد فعلت تل أبيب كل شئ ممكن لإفشال البرنامج النووى الإيرانى.
البداية كانت منذ مطلع التسعينيات، وتحديداً بعد انتهاء حرب الخليج الثانية حيث تحول التركيز الاستخباراتي الإسرائيلي من العراق نحو إيران كتهديد وجودي قادم.
وحذرت اسرائيل من أن إيران تسعى لامتلاك سلاح نووي عبر "السوق السوداء"وما رست ضغوطاً هائلة على كل الدول لمنعهم من المساعدة فى إتمام بناء مفاعل "بوشهر" النووي، ورغم ذلك نجحوا فى بناؤه ثم بدأ الموسادخلال ٥ سنوات كاملة فى مرحلة التصفية الجسدية المباشرة للعقول التي تدير "نول الحياكة" النووي واغتالت أكثر من ٢٠ عالم ومهندس نووى !! ورغم ذلك استمر البرنامج ثم شنت المخابرات الأمريكية والاسرائيلية معا أول حرب سيبرانية في التاريخ عام (2010) حيث زرعا فيروس "ستاكسنت" (Stuxnet)، من خلال عميل هولندى متزوج من إيرانية وكان ذلك أول سلاح رقمي يدمر أجهزة الطرد المركزي في منشأة "نطنز" النووية إلا أن طهران نجحت فى استبدالها قطعة قطعة ومسمار مسمار حتى اعيد تشغيلها.
وفى عام ٢٠١٨ وفي عملية استخباراتية وصفتها إسرائيل بأنها "الأكبر في تاريخها" اقتحم عملاء الموساد مستودعاً سرياً في طهران تحت الأرض وسرقوا نصف طن من الوثائق والأقراص المدمجة التي تحتوي على الأرشيف النووي الإيراني بالكامل!!
ليس ذلك فحسب بل تعد إيران من أكثر الدول خضوعاً للعقوبات في العالم، حيث تفرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عقوبات شاملة تستهدف قطاعات النفط، البنوك، الشحن، والبرنامج النووي. وفقدت العملة الإيرانية أكثر من 90% من قيمتها ما تسبب في انكماش اقتصادي حاد، تزايد الركود، وتدهور المعيشة.
وعلى الرغم من كل هذه الضربات، إلا أن "السجادة النووية" لم تُدمر، بل زادت متانة ونجحت إيران في الصمود أمام العقوبات الدولية عبر تبني إستراتيجية اقتصاد المقاومة القائم على الاكتفاء الذاتي وتطوير شبكات تهريب للنفط والاعتماد على الصين وروسيا اقتصادياً فضلا عن نجاحها فى تطوير برنامج صواريخ باليستية فرط صوتية وطائرات مسيرة أثبتت كفاءتها فى حروب مختلفة كما قامت بصناعة أذرع لها فى اليمن ولبنان والعراق وسوريا.
كل ذلك دفع إسرائيل لحافة "الجنون الاستراتيجي" الذي نراه اليوم..لكن البعض الآخر قد يرى وجه آخر قبيح لهذا الصبر الفارسي لانه تسبب فى إفقار الشعب ودخول الكبش الإيرانى فى مواجهة مباشرة مع الثورة الأمريكي والضبع الاسرائيلي الخسيس لكن ذلك كان له أسبابه حيث رأى النظام الإيراني أن السلاح النووي هو "بوليصة التأمين" الوحيدة ضد تغيير النظام من الخارج ..الأمر بدأ عند استخدم العراق الأسلحة الكيماوية ضد الإيرانيين وشعر النظام حينها بأنه "أعزل" تقنياً وعسكرياً أمام سلاح دمار شامل. وترسخت قناعة بأن إيران يجب أن تمتلك "الردع" الذي يمنع أي عدو من التفكير في استخدام أسلحة غير تقليدية ضدها مرة أخرى..كما شاهد الإيرانيون معمر القذافي فى ليبيا وقد تنازل عن برنامجه النووي عام 2003 طمعاً في الرضا الغربي، فكانت نهايته السقوط والقتل بدعم غربي عام 2011.وقبلها صدام حسين فى العراق لم يكن يمتلك سلاحاً نووياً حقيقياً، فتم غزو بلاده وإعدامه. أما كوريا الشمالية فتمتلك السلاح النووي، ورغم كل العقوبات، لا يجرؤ أحد على غزوها أو تغيير نظامها.
النظام الأيرانى حول برنامجه النووي من مجرد "مشروع تقني" إلى "قضية كرامة وطنية".. هذا الربط ساعد النظام في حشد الشارع خلفه رغم الفقر، تحت شعار "العلم والكرامة مقابل الجوع".
المشكلة الكبرى هي أن الأنظمة غالباً ما تعد الشعب بأن "الصبر اليوم سيؤدي لرفاهية الغد" بمجرد انتزاع الاعتراف الدولي. لكن الواقع أن المواجهة الطويلة خلقت "اقتصاد حرب" استفاد منه القادة والنخب، بينما غرقت الطبقات الوسطى في الفقر وبمرور الوقت، يصبح "البقاء" هو الهدف الوحيد، وتتحول الرفاهية من "خطة مؤجلة" إلى "تضحية " في سبيل استمرار النظام ..كما أنه عمل على استعداء دول الخليج وإثارة الأزمات بها طمعا فى مواردها وفرض نفوذه رغبة منه أن يصبح شرطى المنطقة.
الآن ننتظر نتائج جولة قد تكون الأخيرة بين "الكبش الإيراني" بقرونه الباليستية وهو يناطح "الثور الأمريكي" و"الضبع الإسرائيلي" وهنا يبرز السؤال الوجودي هل لو أظهر الكبش قرون نووية وهدد باستخدامها يستطيع الصمود والبقاء أم تخذله أقدامه المنهكة من الجوع والتعب؟ وهل ستكتمل "الغرزة المليون" في سجادة الاحلام ، أم أن النسيج سيتمزق ويحترق للأبد.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







