حين يأتى رمضان من كل عام يعرف أنه سيمضى الساعتين السابقتين على مدفع الإفطار مع زوجته فى المطبخ، ساعتان لمدة شهر يمضيهما معها سعيداً، يراها وهى متحمسة فى الطهو وتطلب منه ألا يسألها عن شيء ولا يتدخل فى أى شيء، فقط يتفرج فوجوده يجعلها سعيدة. حدث هذا منذ أول رمضان يمر عليهما بعد الزواج، لم يكن يعرف شيئًا عن الطهو، قالت له إن عليه فقط إعداد السلاطة فأمرها سهل.
عاماً بعد عام بدأ يساهم بمجهود بسيط أن يقوم بتقشير البطاطس مثلاً أو تتبيل اللحوم قبل شيها، أو سلق الدجاجة والتخلص من الريم الذى يطفو على سطح الماء، أو يقف قليلاً أمام السمك يقليه أو يغسل الأرز، أو يعد عصير قمر الدين أو الخروب أو غيرها من العصائر، وفيما بعد تقشير البصل ليضحكا معاً على حالته.
كان يفعل دائماً شيئاً واحداً بينما هى تفعل شيئاً آخر، وكانت تعجبه مهاراتها فى انجاز كل شيء فى وقت قياسى، ولما سألها عن سر المهارة قالت له ضاحكة : « نظام بينما»، فسألها : يعنى إيه ؟، فقالت : يعنى بينما يتم سلق الفرخة يتم غسل الأرز.. وبينما يتم شى اللحم يتم غسل الأدوات التى اسُتخدمت.. يعنى ما تعملش الحاجة ورا بعض.. لكن مع بعض.
ثم قالت له إن أجمل ساعات رمضان هى التى تقضيها الزوجة فى إعداد الإفطار، الوقت يمر بسرعة، ويمر بسرعة أكثر حين يكون هو معها، فهى تطهو الطعام وتتحدث معه ويضحكان كثيراً، وأحياناً كانت تطلب منه أن يخرج من المطبخ فيقول باسماً : ملوخية النهاردة ؟، فتقول : آه، فيقول : نفسى تعمليها قدامى، تضحك ثم تقول : لا.. تبوظ، فيواصل : طيب إنتى بتعملى إيه بالظبط ؟، تتهرب منه قائلة : بعدين أقول لك.
فيقول : أنا عارف.. بتشهقى؟، فقالت : الله بأه اسمع الكلام والا عايز الملوخية تبقى زى الميه.
يضحك ويخرج، يبتعد قليلاً عن المطبخ ثم يعود بسرعة فتكون هى فى انتظاره باسمة تهز رأسها وتقول : عارفة إنك حترجع مش حاعمل حاجة إلا ما تبعد خالص فى الصالة عند التليفزيون.
يبتسم ويبتعد إلى التليفزيون. ويجد نفسه بعد لحظات ينادى : خلاص؟
يأتيه صوتها حلواً : خلاص تعالى، يدخل يواصل العمل معها.
كبر الأولاد ومرت السنون وماتت بالسرطان اللعين الذى أفصح عن نفسه بعد أن تفشى فى الجسد، فخرجت من العمليات إلى الرعاية المركزة الى الله، كان ذلك بين العيدين، وكان ولداه قد كبرا، الأول فى العشرين من العمر والثانى فى الثامنة عشرة، الأول أمامه عامان فى الجامعة، والثانى فى الثانوية العامة، كان عليه أن يتماسك أمامهما بأكبر قدر ممكن، هذه سن خطرة، ومن كانت تنتبه إلى حياة الولدين ودعت الدنيا، كانت لا تسمح لهما بالبقاء كثيراً فى الشارع، تتابع تحركاتهما ودراستهما أكثر منه، هو مشغول فى أعمال كثيرة، صار عليه الآن أن يقوم بكل شيء.
كانت تقول دائماً إن الشارع والمدرسة والجامعة صارت مناطق الخطر، ومهما بذل الأهل من جهود فى التربية فهذه الأماكن صارت تفسد كل شيء ما لم ينتبه الأهل، وتربية الصبيان أصعب من البنات لأن اعتدادهم بنفسهم أكبر وطاعتهم لأهلهم أقل، صار عيناه لا تغفل عن ولديه صار أباً وأماً، قلل من أعماله الخاصة، وصار هو الذى يطبخ، وعلمهما استخدام الغسالة، وعلمهما أن يقفا معه أحياناً وهو يطهو الطعام ليتعلما ما تعلمه من أمهما، بالليل ينامان ويظل هو وقتاً طويلاً يتألم فى صمت يتذكر أيامهما الجميلة لا يريد أبداً أن يبدو أمام الولدين حزيناً حتى لا يفتح جرحهما.
عاد شهر رمضان كما يعود دائماً، الأيام لا تقف من أجل أحد، قال لنفسه ذلك فى حسرة، استعد له كما يستعد كل عام، اشترى ما كانت تشتريه زوجته من أطعمة وياميش وبلح، قرر أن يجعل رمضان مُبهجاً مثل كل عام، وألا يشعر الولدان بفقد أمهما، دعاهما إلى المطبخ معه قبل الموعد بساعتين، صاروا يتحدثون فى كل شيء.
هو يفتعل الحديث عن أى شيء لينسى أنه كان يقف هنا معها، وهما بدوريهما أحسا بذلك فكانا يفتحان معه أحاديث عن كل شيء فى المدرسة أو الجامعة أو أصحابهما، ودائماً كانا يحكيان أشياء تثير ضحكه وبهجته، أنجزا ما كان يطلبه منهما من إعداد السلاطة أو غسل الأرز أو إعداد العصير وغيره من الأشياء البسيطة، بعد أن انتهوا من كل شيء كانت دقائق قد بقيت على مدفع الإفطار فراح يعطيهم صوانى الطعام والأرز وزجاجات العصير والأكواب وسلطانيات الشوربة والطعام والأطباق الفارغة التى سيفرغ فيها كل منهم ما يشاء من الطعام وهما يحملان ذلك إلى السفرة فى الخارج.
توضأ الولدان استعداداً للصلاة حين ينطلق المدفع راح هو ينظم الأشياء على السفرة ثم توضأ بعدهما.. وحين انطلق مدفع الإفطار وأذن المؤذن للصلاة قاموا وصلوا فى الصالة خلفه كما تعودوا كل عام ثم عادوا إلى السفرة وجلسوا، انتبه الابن الأصغر إلى الأطباق الفارغة التى أمامهم فضحك وقال:
- بابا حضرتك حطيت على السفرة أربعة صحون وإحنا ثلاثة.
قال الأكبر وهو ينظر إلى الأوانى كلها على السفرة : صحيح حتى الكوبايات الفاضية علشان العصير أربعة.. وسلطانيات الشوربة أربعة.. وكمان الشوك والسكاكين والمعالق أربعات.. واحنا شيلنا كده الحاجة للسفرة وماخدناش بالنا، انتبه الأب فسكت قليلاً وراح يقاوم دموعه التى صعدت إلى عينيه فجأة، ثم قال بصوتٍ متهدج غير قادر على منع نفسه:
ماما حتاكل معانا.
من «حكايات ساعة الإفطار»

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







