تحلّ في الحادي والعشرين من شهر رمضان ذكرى استشهاد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أحد أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي وأحد كبار صحابة النبي محمد ﷺ.
ارتبط اسمه بالعلم والشجاعة والعدل، واحتل مكانة بارزة في سيرة الإسلام الأولى، إذ كان من أقرب الناس إلى النبي ﷺ نسبًا ومصاهرةً، ومن أوائل من آمنوا به وناصروا دعوته.
في هذه السطور نتستعرض أبرز محطات حياته كما وردت في الروايات التاريخية والأحاديث النبوية وأقوال العلماء.
اقرأ أيضا| السعودية تدين وتستنكر الهجوم الذي استهدف مسجد الإمام علي بحمص
نسبه ونشأته
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أمير المؤمنين، ويُكنّى بأبي الحسن، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، وهي بنت عم أبي طالب، وكانت من المهاجرات، وتوفيت في حياة النبي ﷺ بالمدينة.
وُلد قبل البعثة النبوية بعشر سنين على الصحيح، ونشأ في بيت النبي ﷺ وتربّى في كنفه، فكان ملازمًا له منذ صغره، ولم يفارقه.
أول من أسلم من الفتيان
يرى كثير من أهل العلم أن عليًّا رضي الله عنه كان من أوائل من أسلموا، فقال مجاهد: أول من صلى علي، وهو ابن عشر سنين، وقال ابن عباس أول من أسلم من الناس بعد خديجة علي.
وعن محمد القرظي قال: أول من أسلم خديجة، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلي، وإن أبا بكر أول من أظهر الإسلام، وكان علي يكتم الإسلام فرقًا من أبيه، حتى لقيه أبو طالب، فقال: أسلمت؟ قال: نعم، قال: وازر ابن عمك وانصره، وأسلم علي قبل أبي بكر.
كنيته "أبو تراب"
كان علي رضي الله عنه يُكنّى أيضًا بـ"أبي تراب"، وقد جاءت هذه الكنية في حديث صحيح رواه سهل بن سعد: فقد جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟».
قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟». فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ.
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ». [صحيح البخاري]
مكانته في حياة النبي ﷺ
نشأ علي رضي الله عنه في بيت النبوة، وشارك في كثير من أحداث الدعوة الإسلامية، وكان ممن ثبتوا مع النبي ﷺ في مواقف صعبة، ومنها يوم أحد حين انهزم المسلمون .
كما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلى بني سعد بفدك في مائة رجل، وكان معه إحدى رايات المهاجرين الثلاث يوم فتح مكة، وبعثه أيضًا إلى اليمن.
ولم يتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك، إذ خلّفه في أهله.
ورُوي في ذلك الحديث المشهور: عن عطية، حدثني أبو سعيد، قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك وخلف عليًّا في أهله، فقال بعض الناس: ما منعه أن يخرج به إلا أنه كره صحبته، فبلغ ذلك عليًّا، فذكره للنبي ﷺ، فقال: «أيا بن أبي طالب، أما ترضى أن تنزل مني بمنزلة هارون من موسى؟».
وجاء في رواية أخرى: عن عبد الله بن شريك قال: سمعت عبد الله بن رقيم الكناني قال: قدمنا المدينة فلقينا سعد بن مالك، فقال: خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك وخلف عليًّا، فقال له: يا رسول الله، خرجت وخلفتني؟ فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟».
زواجه من فاطمة ومكانته بين الصحابة
زوّج النبي ﷺ ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها من علي، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، وعندما آخى النبي ﷺ بين أصحابه قال له: «أنت أخي».
وقد نقل العلماء مناقبه بكثرة، فقال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقال بعض العلماء إن سبب ذلك أن خصومه في بعض العصور حاولوا إخفاء فضائله، فكان الصحابة يحرصون على رواية ما علموه من مناقبه.
علمه ومكانته في الفتوى
كان علي رضي الله عنه من كبار العلماء بين الصحابة، واشتهر بالعلم والفقه، قال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن.
وقال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به.
وقال علي رضي الله عنه: «سلوني، سلوني عن كتاب الله تعالى؛ فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار».
ومن الأحاديث المشهورة في فضله: قال رسول الله ﷺ: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه».
شجاعته في القتال
اشتهر علي رضي الله عنه بالشجاعة والإقدام، ومن أشهر المواقف ما وقع في غزوة خيبر.
قال النبي ﷺ: «لأدفعن الراية غدًا إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه».
وفي رواية: «أين علي بن أبي طالب؟». فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأتي به، فبصق في عينيه، فدعا له فبرأ، فأعطاه الراية.
كما رُوي عن أبي رافع: خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابًا عند الحصن، فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله علينا، ثم ألقاه، فلقد رأيتنا ثمانية نفر نجهد أن نقلب ذلك الباب، فما استطعنا أن نقلبه.
خلافته والأحداث الكبرى
بعد مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه بايع الناس عليًّا بالخلافة، وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر.
فقد بويع بعد استشهاد عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ثم وقعت أحداث كبيرة في عهده، منها: وقعة الجمل سنة ست وثلاثين، ووقعة صفين سنة سبع وثلاثين، ووقعة النهروان مع الخوارج سنة ثمان وثلاثين.
وكان رأيه أن يدخل الناس في الطاعة أولًا، ثم يُنظر في قضية القصاص لعثمان وفق أحكام الشريعة، وقد ظهر بقتل عمار بن ياسر أن الصواب كان مع علي، واتفق على ذلك أهل السنة.
استشهاده
في أواخر حياته وقعت حادثة اغتياله، فقد تآمر عليه عبد الرحمن بن ملجم مع آخرين، ويروي الحسن بن علي أن والده قال قبل ذلك: إني ملكتني عيناي وأنا جالس، فسنح لي النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟! فقال: «ادع عليهم»، فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني.
وفي فجر يوم من أيام رمضان خرج علي رضي الله عنه كعادته إلى المسجد وهو ينادي الناس للصلاة: «أيها الناس، الصلاة الصلاة».
فاعترضه ابن ملجم وضربه بالسيف المسموم على رأسه، ومكث الإمام علي يوم الجمعة والسبت، ثم توفي ليلة الأحد في الحادي والعشرين من رمضان.
وقد غسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكُفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







