في زمنٍ يُرتجى فيه تسامي الإنسانية عن العنف، وتطهرها من درن القسوة، تتفشى في فضائنا الإعلامي ومواقع التفكك الاجتماعي ظاهرةٌ كالداء العضال؛ تتزيّا برداء الترفيه الخادع، وتُخفي في طياتها ساديةً تقتاتُ على رعب الآمنين، وتجعل من خفقان القلوب المذعورة سلعةً رخيصةً تُباع وتُشترى في أسواق الإعلانات.
إن ما نراه من برامج «المقالب» التي تضع الإنسان - المكرم - موضع السخرية، وتحبس أنفاسه هلعاً، وصمة عارٍ تلطخ جبين صانعها وضاحكها. فكيف استساغت النفوس رؤية إنسانٍ يرتعدُ ظناً منه بمواجهة الموت، أو يتجرع كؤوس الإهانة، ليكون ألمه وقوداً لمتعةٍ زائفة؟ إنها الأنانية في أقبح صورها حين تغدو عذابات الآخرين مادةً للضحك.
ولا يقف الانحدار عند حدود الرعب، إذ يمتد إلى استباحة الخصوصيات وهتك أستار البيوت؛ فنرى من ينبش خبايا النفوس ليفشي سرًّا طواه الكتمان، أو ينسج مواقف مفتعلة لاستثارة كوامن الغيرة بين الأزواج والأحبة، متلذذًا بإشعال نيران الفتنة، ومتاجرًا بمشاعر القلق والشك، ضاربًا بقدسية العلاقات الإنسانية وحرمة البيوت عرض الحائط.
أما التذرع بموافقة الضحية لاحقاً، فحجةٌ واهية تزيد الطين بلة؛ فاستغلال العوز المادي لانتزاع التنازلات هو استعبادٌ حديث، والتوقيع بالموافقة لا يمحو أثر الرعب، ولا يغسل عار الامتهان، إنما هو تكريسٌ لبيع الذات في سوق النخاسة الإعلامية.
لم تنتهِ قصة الابتذال المؤلم للنفس البشرية عند هذه البرامج؛ فالجرح الأعمق يكون عندما يصل الأمر إلى استغلال براءة الطفولة في مستنقع المادية الميكيافيلية؛ فقد روّعوا الصغار لانتزاع دمعة أو صرخة تجلب مشاهدات، أو لتصوير مشهد درامي مؤثر. فهؤلاء المتاجرون بدموع البراءة يستحقون أشد العقاب، ولا عذر لأب أو أم خانَا الأمانة وأسلمَا فلذات أكبادهما لهذا العبث؛ فحق الطفل في الأمان النفسي مقدم على كل اعتبار.
إننا نقع في تناقضٍ صارخٍ مع دعواتنا لمناهضة التنمر حينما نغض الطرف عن بث سمومٍ توهم النشء بأن البطش ذكاءٌ وترويع الآمنين مهارة؛ فالتنمية الحقة لا تقوم إلا على أكتاف الإنسان السوي المتزن، وأي مكاسب تُجنى على حساب الأخلاق هي محضُ عدم.
ومن هنا، فقد آن الأوان للفظ هذه الممارسات الدنيئة، والوقوف بحزمٍ أمام انتهاك كرامة الإنسان وحرمة حياته الخاصة التي تعد خطاً أحمر لا يقبل المساومة؛ فبنيان الأمم العظيمة لا يُشيد إلا بدعائم الرحمة، ولا تسمو راياتها إلا بصون الكرامة واحترام الإنسانية.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







