«قانون الحلال الأمريكى».. فكرة مصرية ...بيت الدقدوقى «دوار عمدة» مفتوح للمصريين فى فيرجينيا

محرر الأخبار أثناء حديثة مع الدكتور مصطفى الدقدوقى
محرر الأخبار أثناء حديثة مع الدكتور مصطفى الدقدوقى


قلوب تبنى وأيادٍ تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل ، حين تصفو القلوب تتجدد حكايات الخير ، بعيدا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم ، وأن التضامن ليس موسما، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرا يبقى طويلا فى قلوب وعقول الناس.

اقرأ أيضًا | مطالب من مصدري اللحوم بأمريكا اللاتينية بتعديل قرار شهادة «حلال»

فى زمنٍ تتسارع فيه الخطى وتبهت فيه الحكايات، يطل علينا نموذج مصرى خالص يعيد إلى الأذهان معنى أن يكون العطاء أسلوب حياة، وأن يكون الانتماء جذعًا راسخًا لا تقتلعُه سنوات الغربة.

إنه العالم المصرى الكبير الدكتور مصطفى الدقدوقى، ابن كلية الزراعة بجامعة القاهرة، الذى حمل علمه وقلبه إلى الولايات المتحدة منذ عام 1971، دون تخطيط مُسبق، ليكتب هناك سيرة نجاح مهنية وإنسانية تستحق أن تُروى فى شهر الرحمة والتكافل.

من مدرجات الزراعة إلى دهاليز القرار فى أمريكا

حصل الدكتور الدقدوقى على بكالوريوس الزراعة من جامعة القاهرة، ثم شدّ الرحال إلى الولايات المتحدة حيث واصل مسيرته العلمية، فحصل على درجتى الماجستير والدكتوراة فى تخصصه لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، لكنه كان مُسلحًا بعزيمة المصرى الذى يعرف قيمة العلم.

تفوقه العلمى وموهبته البحثية لفتا الأنظار مبكرًا، فتم إلحاقه بوزارة الزراعة الأمريكية، حيث تدرج فى المناصب باجتهادٍ وثبات، حتى أصبح المستشار الأول للوزارة. منصبٌ رفيع فى واحدة من أهم مؤسسات الدولة الأمريكية، يعكس حجم الثقة التى نالها، ويؤكد أن الكفاءة المصرية قادرة على أن تنافس وتتصدر فى أعرق المؤسسات العالمية.

لم يكتفِ الدكتور الدقدوقى بموقعه العلمى والإدارى، بل انحاز دائمًا لقيمه وهويته. ومن أبرز بصماته، طرحه لفكرة وضع قانون ينظم معايير «الحلال» فى الولايات المتحدة، بما يضمن للمسلمين الحصول على غذاء مطابق لشريعتهم، بعيدًا عن اللبس أو الاستغلال. كانت الفكرة فى جوهرها رسالة طمأنة لملايين المسلمين، بأن حقوقهم الثقافية والدينية يمكن أن تُحترم داخل المجتمع الأمريكي. وقد لقيت المبادرة تقديرًا واسعًا، وأسهمت فى تنظيم سوق المنتجات الحلال بشكل أكثر وضوحًا واحترافية، لتصبح تجربة يُشار إليها بالبنان.

لكن العطاء عند الدكتور الدقدوقى لا يتوقف عند حدود المؤسسات الرسمية. فقد أدرك مبكرًا أن أخطر ما يواجه الجاليات المهاجرة هو انقطاع الأجيال الجديدة عن جذورها من هنا، انطلقت فكرته بإرسال أبناء الجيلين الثانى والثالث من المصريين الأمريكيين فى رحلات مُنظمة إلى مصر، ليتعرفوا على تاريخهم وثقافتهم ولغتهم. وكانت تلك الرحلات بمثابة «جسور عودة» معنوية، تربط الأبناء بأرض الأجداد، وتزرع فى قلوبهم اعتزازًا بالهوية المصرية. كثيرون من هؤلاء الشباب عادوا من زياراتهم لمصر أكثر وعيًا بأنهم ينتمون إلى حضارة ضاربة فى التاريخ، وأن الغربة لا تعنى الذوبان.

ورغم العروض المُغرية التى انهالت عليه للعودة إلى العمل الحكومى، ظل الدكتور الدقدوقى يرفض، مُفضلًا أن يهب وقته وجهده لخدمة أبناء الجالية المصرية فى ولاية فيرجينيا.

تحول بيته لما يشبه «دوار العمدة» فى القرى المصرية، بابٌ مفتوح وقلوب مطمئنة، وجلسات لا تخلو من نقاش أو نصيحة أو ضحكة يقصده المصريون فى شئون العمل أو الإقامة أو الدراسة، أو حتى فى لحظات الضيق. بخبرته الواسعة وعلاقاته المُمتدة، يساعد فى تذليل العقبات، ويوجه الشباب، ويقف سندًا لمن تعثرت به الخطى.

هو بالنسبة لكثيرين أبٌ وأخٌ أكبر، يستمع قبل أن يتكلم، وينصح دون تعالٍ، ويعطى دون أن ينتظر مقابلًا. صديق وزراء الزراعة.. ومجلسه مقصدٌ لأهل القرار لم تنقطع صلاته بالمؤسسة التى خدمها لسنواتٍ طويلة. فهو صديق شخصى لمعظم وزراء الزراعة الأمريكيين، وكثير منهم زاره ولا يزال فى بيته بفيرجينيا، طلبًا للمشورة والاستنارة برأيه. فى مجلسه، تختلط السياسة بالعلم، والخبرة العملية بالحكمة الإنسانية.

أن يجلس وزير أمريكى رفيع فى بيت مصرى مهاجر ليستمع إلى رأيه، فهذا يعكس مكانة الرجل المهنية، كما يعكس احترامًا مُتبادلًا صنعته سنوات من الصدق والإخلاص. وفى شهر رمضان، يتجلى وجه آخر من وجوه العطاء. ينظم الدكتور الدقدوقى إفطارًا جماعيًا سنويًا فى بيته الكبير، يجمع المصريين على مائدة واحدة، كأنهم أسرة ممتدة.

لا يكتفى بالإشراف، بل يحرص على إعداد غالبية الطعام بيده، وفى مقدمة الأطباق «الفول» الذى صار يُعرف بين المصريين فى فيرجينيا باسم «فول الدقدوقي»، تميزًا بحلاوة طعمه ونكهته الخاصة.

فى تلك الليالى الرمضانية، تتعالى الضحكات، وتدور الأحاديث باللهجة المصرية الصافية التى يتمسك بها الدكتور مصطفى رغم أكثر من خمسة عقود فى المهجر.

سنوات الغربة لم تُعوج لسانه، ولم تنزع من قلبه دفء الحارة المصرية رمضان عنده ليس مجرد شعيرة، بل مناسبة لإحياء روح الجماعة، وتخفيف وطأة البعد عن الوطن، وتجديد العهد بالمحبة.

ولا تزال طموحاته ممتدة فهو يخطط حاليًا لافتتاح نادٍ لأبناء الجالية المصرية فى فيرجينيا، يكون ساحة للقاء الثقافى والاجتماعى، ومنبرًا لتعزيز الروابط بين الأسر، وحاضنةً للأنشطة التى تحفظ الهوية للأجيال الجديدة.

يريد للنادى أن يكون بيتًا ثانيًا، تُقام فيه الفعاليات الوطنية، وتُحتفل فيه المناسبات المصرية، ويُعرّف فيه الأبناء بتاريخ بلادهم. حلمٌ يليق برجل قضى عمره يبنى الجسور بين وطنين.

ورغم انشغالاته، يحرص الدكتور مصطفى الدقدوقى على زيارة مصر مرة واحدة على الأقل كل عام. يعود إلى شوارعها التى تشكل وعيه، ويجدد صلته بأهله وأصدقائه، ويستمد منها طاقة روحية تعينه على مواصلة العطاء.