كل شئ مرعب فى مدينة الرب

كل شئ هادئ فى مدينة الرب
كل شئ هادئ فى مدينة الرب


محمد العبادى

فى كتابه الثالث: «كل شئ هادئ فى مدينة الرب» يدخل الكاتب السكندرى إسلام على عالم الرواية لأول مرة، إسلام هو كاتب ذو بصمة أدبية مميزة ظهرت فى مجموعتيه القصصيتين السابقتين، لكن هنا ومع اتساع مساحة السرد فى عالم الرواية ينجح إسلام فى إيجاد صوته السردى الخاص، رغم أحداث الرواية الكابوسية إلا أن الكاتب استخدم لغة سردية هادئة ومحايدة، ربما كان هذا الاختيار الأمثل لجذب انتباه وتفاعل القارئ مع الرواية دون الوقوع فى فخ المبالغة، فمحاولة اعتصار الرعب والدهشة من القارئ عبر المبالغة فى لغة السرد وزيادة التفاصيل المخيفة سيسقط النص فى فخ الابتذال، بينما أعطت الحيادية انطباعا واقعيا للأحداث أكثر قربا للقارئ وأكثر إثارة للدهشة والذعر.

هى رواية عصية على التصنيف.. لا يمكن تصنيفها ببساطة كرواية «ما بعد المحرقة» Post apocalyptic ولا كرواية رعب  تقليدية، بل سيكتشف القارئ الفطن أنه أمام عمل أكثر عمقا وأوسع رؤية من ذلك، ربما يمكننا أن نوسع نظرتنا للعمل بوصفه «رواية اجتماعية»، تحت طبقات المستقبل والخيال العلمى يحتوى النص على نظرة تحليلية لطبيعة المجتمع المصري/ السكندري، حيث استغل «إسلام» قالب الخيال العلمى لطرح رؤيته بشكل جذاب، ومرعب، يعرض الكاتب نظرته الخاصة العميقة للمجتمع فنجد المهمشين الغير مرئيين يحتلون قمة السلطة والقوة  فى لحظات موت الحضارة وانهيار كل السلطات وسقوط كل الأعراف الاجتماعية. إن الحرب النووية التى تصورها الرواى أقرب «للعامل المحفز» الكيميائى الذى يساعد على إحداث التفاعل، لكن المرعب أن العالم المجنون الذى نعيش فيه الآن يمضى فى طريق السقوط والانهيار بخطوات متمهلة.. المرعب أن هذه الرواية الخيالية قد تصبح واقعية بمضى الزمن.. ما لم يستعيد هذا العالم المجنون عقله!

كانت الكتابة عن الاسكندرية دوما من المواضيع المفضلة لكتاب الإسكندرية ومحبيها، مكتبة كبيرة من الأعمال الأدبية التى اقتبست تفاصيل مدينة الرب وقائمة الكتاب الذين كتبوا عن المدينة الساحلية تدعو للفخر، من أبنائها مثل محمد جبريل (رباعية بحري)، إبراهيم عبد المجيد (لا أحد ينام فى الإسكندرية)، مصطفى نصر (حارة اليهود)، سعيد بكر(متواليات باب ستة)، الشيماء حامد (حفلة فى كازينو الشاطبي)، مصطفى زكى (مشهد من ليل القاهرة)... ومن محبيها نجد لورنس داريل (رباعية الإسكندرية) ونجيب محفوظ (ميرامار) وغيرهم كثير.

لكن هنا يقدم إسلام بعدا جديدا للكتابة عن الإسكندرية، ليست إسكندرية الماضية أو الحالية.. بل اسكندرية المستقبل.. استغل الكاتب أسماء أحياء وشوارع سكندرية حقيقية لتكون أماكن للأحداث الكابوسية لروايته، ليجمع السرد بين نوستالجيا الماضى المحمل بالحنين والذكريات، وخوف مستقبل عالمنا الملئ بأشباح الدمار والموت.

 «مدينة الرب» هنا تعيش مستقبلا مظلما، مظلما فعليا وليس على سبيل المجاز، فقد غابت الشمس بعد حرب نووية ضخمة، ولم يبق للعالم سوى الظلام والبرد، تخيل شعور القارئ السكندرى وهو يقرأ تفاصيل هذا الشتاء النووى التى تحدث فى مدينته، بين كورنيش البحر الأبيض الذى اسود واستقبل رواده بأمطار حارقة، باكوس وسيدى بشر حيث يعيش من بقى بعد المحرقة حياة مظلمة خالية من الحياة، فندق سان ستيفانو الضخم الذى صار قصرا لزعيم العشرية «أزاس»، مكتبة الإسكندرية التى صارت أطلالا نهبت العشرية كتبها إرضاء لنزوة «سيلينا» محظية «أزاس».

 هذا الاتكاء على تفاصيل الإسكندرية وأسماء أحيائها وشوارعها تناقض مع أسماء أشخاص الرواية التى جاءت غريبة ومختلفة، لدينا ميلا ذات العيون الجميلة، العشرية وزعيمها أزاس، محظيته «سيلينا» وحبيبها «جيد».. أسماء الأشخاص هنا أسماء جديدة وغريبة فى عالم جديد وغريب، منهم من اختار اسمه الجديد ومنهم من اختاره له القدر، لكن المؤكد أن أرواحهم قد تغيرت قبل أن تتغير أسماءهم.

إن ثورة المهمشين التى حدثت فى مدينة الرب ذكرتنى بالثورة المؤسِسة فى عالمنا الحديث: الثورة الفرنسية، التى قام قادتها بتغيير أسماء الشهور والأيام!!.. وبدت احتفالات القتل فى «عيد الموتى» التى يقيمها العشرية أقرب لامتداد لاحتفالات ثوار فرنسا بالقتل عبر المقصلة التى حصدت آلاف الرؤوس.

فى «كل شئ هادئ فى مدينة الرب» لا يوجد شئ هادئ على الإطلاق.. بين البحر الأسود والمطر الحارق، بين الشمس المظلمة والماء المسموم، يعرض لنا الكاتب خيالا لمستقبل كل شئ فيه مرعب.. خيالا نتمنى أن يبقى محبوسا بين دفتى هذه الرواية.