مرشد ليس «أعلى»!

«مجتبى» فى أعين محللى الغرب

خامنئى
خامنئى


تحرّكت إيران سريعًا لملء الفراغ الذى خلّفه اغتيال المرشد الأعلى آية الله على خامنئى فى اليوم الأول من الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية، ووقع الاختيار من قبل مجلس خبراء النظام على مجتبى خامنئى ليصبح بذلك المرشد الثالث فى تاريخ الجمهورية التى أسسها المرشد الأول الإمام الخمينى إثر ثورة قادها عام 1979 ضد حكم الشاه.
فكيف نظر المحللون فى الغرب لهذا الاختيار؟ قال بابك وحداد، الباحث والمحلل فى شئون الديناميكيات الإيرانية والإسلام الشيعى، لمجلة نيوزويك إن الرجل قد لا يتمتع بالمستوى نفسه من السلطة المُطلقة الذى تمتع به أسلافه. وأضاف: «أعتقد أن هذا الاتجاه كان قد بدأ بالفعل قبل وفاة خامنئى». وأضاف: «لقد كانت الجمهورية الإسلامية تتطور نحو نظام تُمارَس فيه السلطة على نحو متزايد عبر شبكات متداخلة من الفاعلين، بدلاً من أن تتركز حصراً فى السلطة الشخصية لمنصب واحد، حتى وإن ظل المرشد الأعلى قمة الشرعية». وتابع وحداد: «وفاة خامنئى فى خضم حرب سرّعت من هذه العملية». وتابع: «من الناحية العملية، يزيد ذلك من الوزن النسبى لفاعلين مثل الحرس الثورى وأجهزة الاستخبارات والأمن والهيئات الأساسية المنسقة داخل النظام، ليس بالضرورة لأنهم سيحلّون رسمياً محل منصب المرشد الأعلى، بل لأن إدارة الأزمات تميل إلى تفضيل المؤسسات التى تسيطر على القوة والمعلومات واستمرارية العمليات». ورغم أن قلةً تتوقع إلغاء منصب المرشد الأعلى تماماً، بالنظر إلى أهميته السياسية والدينية الفريدة، يرى وحداد أنه «قد يصبح أقل تفرداً من الناحية العملية، بحيث تُمارَس السلطة بصورة أكثر جماعية وأمنية وبيروقراطية».
ووفقاً لوحداد، فإن انتخاب مجتبى يشير إلى الاستمرارية مع حكم والده، رغم أن هذا الانتخاب يقوّض ركناً أساسياً من أركان ثورة 1979 الإسلامية، وهو رفض المبدأ الوراثى للملكية الذى جسّده إسقاط حكم الشاه. حيث كان رفض المبدأ الوراثى عاملاً رئيسياً فى تبرير تركيز سلطات واسعة، شبيهة بسلطات الملكية المُطلقة، فى يد فرد واحد. وهنا تذَكّر صحيفة الجارديان البريطانية بتصريحات للراحل على خامنئى حيث كان قد أكد أن أحد أعظم إنجازات الثورة «تدمير بنية قامت على ملكية وراثية قاسية وغير معقولة. لقد كانت هذه البنية القديمة المتداعية تقليداً خاطئاً وغير عقلانى هيمن على بلدنا لعدة آلاف من السنين». لكن مع دخول النظام فى حرب بقاء، تغيّر الحساب السياسى إلى اختيار مرشد أعلى يكون قادراً، حتى لو افتقر إلى مؤهلات لاهوتية رفيعة المستوى، على مواصلة مقاومة الجمهورية الإسلامية للغرب.. والتقارير التى تتحدث عن تعيين مجتبى خامنئى مرشداً أعلى لإيران تشير إلى أن الحرس الثورى الإسلامى ما زال يُحكم قبضته الحديدية على البلاد، مما يبدد الآمال فى التوصل إلى تسوية مع الغرب. ويشير الارتقاء الظاهر لخامـنئي، البالغ من العمر 56 عاماً، إلى تغليب النزعة الأمنية على السلطة الدينية، الأمر الذى يجعل قبول النظام لمطالب الرئيس ترامب أقل احتمالاً من أى وقت مضى.
ووفقاً للتقارير، فإن مجتبى خامنئى متمرّس فى شئون الأمن الداخلي، إذ تولّى السيطرة على قوات الباسيج، وهى الميليشيا التطوعية التابعة للحرس الثوري، خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة عام 2009 التى أنهت الحركة الإصلاحية المعروفة بالحركة الخضراء وما كان قائماً من معارضة رئيسية داخل إيران. ومن الأهمية بمكان أن صعوده إلى هذا المنصب من شأنه أن يرسّخ نية إيران عدم الخضوع للمطالب الغربية، مشيراً إلى النفوذ الذى يتمتع به الحرس الثورى ومبشّراً بمستقبل يزداد عسكرةً للنظام.
وقد أصبح نفوذ الحرس الثورى بوصفه القوة المهيمنة داخل إيران أكثر وضوحاً بعدما أصدر الرئيس الإيرانى محمود بزشكيان اعتذاراً علنياً إلى جيران الخليج الذين تعرضوا لهجمات من جانب إيران، قبل أن يُجبر على التراجع عنه. فبعد أقل من ساعة على اعتذار بزشكيان عن الضربات التى استهدفت دولاً مجاورة وتعهدِه بوقفها، دوّت صفارات الإنذار من الغارات الجوية فى أنحاء الخليج، من دبى إلى البحرين.